السبت، 11 سبتمبر، 2010

تعليق حول كتاب الهوية مجلة زوم الالكترونية 4 فيفري 2010

الهوية: الإسلام.. العروبة.. التونسة

04 فبراير 2010

يرى د.سالم لبيض الباحث والمفكر التونسي أنَّ أسباب انتشار الاهتمام بالهوية في عالمنا المعاصر بروز العولمة بمفاهيمها الجديدة. إذ إنَّ توحيد الأسواق وإلغاء الحدود والحواجز الجمركية بين المجتمعات والشعوب لصالح رأس المال العالمي يحتاج ضرورة إلى إذابة الفوارق الثقافية والخصوصيات المحلية حتى تزول آخر الحواجز أمام الرأسمالية التي تعيد تشكيل الإنسانية على أرضية التماهي وليس الاختلاف. ولعلَّ ذلك من مفارقات الليبرالية في زمن العولمة. ذلك أنَّ الخصوصيات الوطنية هي أساسات الهوية اليوم وهي مرتكزات الإرادة الوطنية في مجالات السياسة والاقتصاد والاستراتيجية بما في ذلك القوَّة العسكرية. لذلك فهي مذمومة منذ البداية لأنَّها تشكِّل نقيضاً للعولمة الليبرالية ومرتكزاً لإمكانية بناء استقلال وطني ولما كانت الهوية في مختلف أقطار الوطن العربي مدخلاً إلى مقاومة الرأسمالية في شكلها العولمي فقد حظيت باهتمام مشاريع الإصلاح الأميركية المتدفقة على المنطقة من ذلك «مشروع الشرق الأوسط الكبير» و«مشروع إصلاح الاستخبارات الأميركية والحيلولة دون وقوع الإرهاب» و«مشروع الشرق الأوسط الجديد». وهي مشاريع تستند إلى مقولة (تجفيف المنابع) والمنابع دون شك هي منابع الهوية التي تعتبرها تلك المشاريع مصدراً لنشر الإرهاب فكراً وممارسة.
لكن لا بدَّ من الإسلام، أو الحس الإسلامي الذي تطوَّر بعد قيام الحملة الفرنسية، إلى شكل من الانتماء العربي الإسلامي لتونس، في محاولة لتحصين البلاد من عمليات المسخ التي تستهدف الشخصية المحلية، وذلك بعد القضاء على الدولة العثمانية كآخر خلافة إسلامية، واقتسام أطرافها في شكل مستعمرات بعد الحرب العالمية الأولى. ولقد عبَّر عن هذا الاتجاه شيوخ «الزيتونة» وطلبتها، ومنهم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، الذي أشار إلى أنَّ الزيتونة قد مثَّلت مركز الضمير الجمعي ورمز الهوية الحضارية الإسلامية، كما أنَّ هذه المؤسسة لعبت دوراً في تأخير مختلف شرائح المجتمع، ومن ثمَّ الدفاع عن هويته التي استهدفتها الإدارة الاستعمارية منذ قيامها سنة 1881، مما أدى إلى الصدام بين أنصار الهوية العربية الإسلامية لتونس، تقودهم المؤسسة الزيتونية، وجماعة الحزب القديم بقيادة الثعالبي، قبل أن تلتحق بهم جماعة الأمانة العامة، التي أطلقت عليهم لاحقاً تسمية «الحركة اليوسفية» من ناحية، والإدارة الاستعمارية والنخب الفكرية والسياسية الموالية لها، والتي تلتقي معها في ضرورة فرنَسّةٍ المجتمع مثل الحزب الشيوعي من ناحية ثانية.
ثمَّ ينتقل د.سالم لبيض للحديث عن الإرث «البورقيبي» الذي ميزته أنه محكوم بما خلفته الصراعات السياسية التي خاضها (الحبيب بورقيبة) مع جماعة الحزب الحر الدستوري التونسي بقيادة (عبدالعزيز الثعالبي) المعروف بالحزب القديم، ومع شيوخ جامع الزيتونة وطلبته، وبصفة خاصة مع الحركة اليوسفية، مجسَّدة في صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد وأنصاره. ولمَّا كان هؤلاء يرمزون إلى العروبة والإسلام بشكل أو بآخر، ويمثلون المدافع عن الهوية التونسية بهذا المعنى، فقد وجد فيهم بورقيبة الخصمَ والعدوَّ الذي يستوجب المقاومة، بل إنَّ موقف بورقيبة من مقومات الهوية؛ مجسدة في العروبة والإسلام وكافة أطر الانتماء وما ارتبط بها من مؤسسات، قد تحدَّد في ظل ذلك الفراغ الذي تراوح بين أشكال سلمية وأخرى عنيفة. فقام بورقيبة بطمس كافة العلاقات والروابط التقليدية العائلية والعشائرية والقبلية والدينية والتخلص منها، فألغى المحاكم الشرعية وأوقف التعليم في الجامع الأعظم، وحلَّ الأوقاف، وأصدر مجلة الأحوال الشخصية التي تمنع تعدد الزوجات، وحوَّل مقرات الزوايا والطرق الصوفية إلى مراكز للحزب الدستوري الجديد، وعمَّم التعليم الفرنكو - عربي.. وغير ذلك. بل إنَّه وبجرأةٍ فيها تحدٍ صرَّحَ بأنَّه لا يؤمن بالديانات بمعناها التقليدي، والرسل ليسوا مبعوثين من الله، لكنَّه لا يجد حرجاً في دعوة فرق الإنشاد الدينية إلى الحضور سنوياً إلى قصر سفاقص الرئاسي في مدينة المنستير بمناسبة عيد ميلاده لإنشاد المدائح والأذكار الصوفية، فتمزج مسيرة بورقيبة بسيرة الأنبياء والرسل، ويُذاع كل ذلك في الإذاعة ويبث على شاشة التلفزيون.
إنَّ هذا البحث، كما يرى سالم لبيض، ليس دفاعاً عن هوية مغايرة مختلفة عن الهويات المرسومة للمجتمع سلفاً من قبل القوى التي تمتلك أدوات صنع الهوية فحسب، وإنما هو إضافة إلى ذلك وعيٌ متقدم بأنَّ النهضة الحقيقية لمجتمعٍ ما لا تتحقَّق خارج هويته الحقيقية، أي خارج منظومته اللغوية والدينية أو خارج كيانه الثقافي المتميز. والهوية بهذا المعنى تتقمَّص الدور المنوط بالدولة - الأمَّة في ظلِّ غيابها، خاصَّة إذا طال أمده، كما هو حال العرب اليوم.


Bookmark and Share