الاثنين، 7 ديسمبر، 2009

في ذكرى العابد بوحافة : مقال منشور في جريدة الوطن الأعداد 112 - 113 - 114

في ذكرى المناضل العابد بوحافة· :

المسكوت عنه في تاريخ الحركة الوطنية التونسية

د.سالم لبيض·

سبع عشرة سنة مرّت على وفاة المناضل العابد بوحافة، حفّ بها صمت الساسة والمؤرخين مما يخفي مسكوتا عنه في تجربة رجل يضاهي فعله السياسي والنضالي فعل قادة ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس. فتجربة "العابد بوحاقة" على درجة كبرى من الأهمية وذلك بسبب عمقها وثرائها وأخذها أبعادا عالمية متجاوزة البعدين المحلي والوطني.

العابد بوحافة هو سليل أسرة متميزة وطنيا ونضاليا، ذلك أن والده الجيلاني بوحافة الذي بالرغم من اشتغاله في الإدارة الفرنسية في سلك الخلفوات بعد أن غادر سلك "عدول الإشهاد" فإن وظيفته ضمن مؤسسات الدولة الاستعمارية لم تؤثر أو تدخل الارتباك على خلفيته الوطنية وفي موقفه الوطني الذي أعلنه في رسالته الشهيرة إلى رئيس الجمهورية الفرنسية "فاسان أريول" على اثر أحداث تازركة في سنة 1952 ، تلك الأحداث التي عرفت ممارسات وصفت بالفظائع والتي قرر على إثرها إرجاع وسام "جوقة الشرف الفرنسي". جاء في تلك الرسالة التي نشرتها الصحف الفرنسية الكبرى وخاصة جريدة "لومند" ما يلي : "السيد رئيس الجمهورية الفرنسية قصر الإلزيه باريس ، فرنسا ، في الوقت الذي تجثم فيه الفرقة الأجنبية على صدر الشعب التونسي المناضل من أجل استرجاع حقوقه في الشرف والحرية ، فتستحي النساء في الوطن القبلي وتذبّح الرضع في تازركة وتفجر مساجد المعمورة وتدنس ديانتنا فتدوس الكتب المقدسة من قبل مئات ملايين المسلمين . يشرفني ويؤسفني في آن واحد أن أعيد إليكم مغلفا تضمن شارة وشهادة وسام جوقة الشرف الذي منحتني إياه الحكومة الفرنسية يوم 6 جوان 1923 لدوري في حرب 1914-1918 وخدماتي الإدارية. لا بد إنكم تتفقون معي سيدي الرئيس على أنه يصعب علي أن أوشح صدري بوسام يضعه مدنسو مساجدنا وأضرحتنا ، وشرف نسائنا وبناتنا . كنت من الذين يحسبون أن مثل تلك الانتهاكات قد ولت مع عهود غابرة ، خاصة وأن فرنسا قد صوتت لدستور 1946 الذي تتولون حمايته ووقعت على إعلان حقوق الإنسان . وقد كان علي للأسف التأكيد على أن مثل تلك التصرفات يجب أن لا تصدر عمّن يزعمون تمثيل فرنسا في بلادنا المنكوبة فهم بذلك يكتبون الصفحة الأكثر دموية في تاريخها والأكثر خزيا في حوليات الحماية . إن اعتقادي كمسلم وعاطفتي كأب يحولان دون تقبل فكرة أن مثل تلك الممارسات يمكن أن تمر دون عقوبة في فرنسا الديمقراطية ويمليان علي واجب الشرف في أن أعيد إلى ديوان وسام الشرف بالقنصلية وساما لم يعد له مضمون ولا دلالة . تقبلوا سيدي الرئيس فائق الاحترام- الجيلاني بوحافة- كاهية متقاعد جرجيس تونس".

لم يكن ذلك الموقف هو الأول فقط وإنما كان موقفا فريدا حيث لم يسبق "الجيلاني بوحافة" أحد إلى مثل ذلك. فهو ليس الوحيد الذي جوزي نتيجة الخدمات التي أدّاها وهو في صفوف الجيش الفرنسي أو لفائدة الإدارة الاستعمارية. ولكنه الوحيد الذي رأى أنه لا يجب أن يوشّح صدره بمثل تلك الأوسمة، والهام في كل ذلك أن "الجيلاني بوحافة" الذي تلقى تعليما تقليديا راوح بين المدرسة الفرنكو- عربية بجرجيس وجامع الزيتونة مثل أترابه لينتهي عدل إشهاد قبل أن يلتحق بموظفي الإدارة الاستعمارية الفرنسية في خطة كاهية، الهام أنه اكتسب دراية سياسية بحقائق الأمور فهو يعلم أن الدولة الحامية قد صوت مواطنوها سنة 1946 لدستور ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بما فيه المحكوم في الدولة المحمية وأن رئيس الدولة الحامية الموجهة له هذه الرسالة هو في نفس الوقت رئيس الدولة المحمية وهو حافظ الدستور أو من المفترض أن يكون كذلك وأن بلاده كانت وقعت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما كان يدرك أن مثل تلك الممارسات المعتدية على الذات الإنسانية والمدنسة للمعتقدات ولدور العبادة الإسلامية لا تنسجم مع دولة تروج نفسها على أنها ديمقراطية.

ولد "العابد بوحافة" بمدينة جرجيس في شهر أوت من سنة 1913 وأنهى تعليمه الابتدائي بالمدرسة الفرنسية - العربية للذكور بنفس المدينة . أما تعليمه الثانوي فقد باشر جزءا منه بمدينة سوسة والجزء الآخر بمدينة "كان" CAEN الفرنسية التي أحرز فيها على شهادة البكالوريا ليلتحق بعد ذلك بجامعة السربون بباريس التي سيتحصل على الاجازة في اللغة والأداب الانقليزية. ويبدو أن العابد بوحافة قرّر إثر إنهاء دراسته وعودته إلى تونس أن ينحو منحى غير تقليدي . إذ لا تشير الوثائق المتعلقة بتجربته الذاتية إلى أن الرجل اشتغل في مجال تخصصه العلمي، بل إنه اتجه إلى السنما التي لا تزال تمثل مجالا محدودا في الغرب آنذاك ناهيك عن حضورها في تونس المستعمرة. والواقع أننا لا نعرف ردّ فعل عائلته والوسط القبلي الذي ينحدر منه من تلك المهنة وذلك الفن . ولكننا نعرف موقف الازدراء الذي تعرض له بعض المشتغلين بهذا الميدان من قبل ذويهم أولا ومحيطهم ثانيا عند انخرطهم في هذا السلك الذي يبدو غريبا عن المجتمع المحلي العكاري بعد ثلاثة أرباع القرن من التحاق "العابد بوحافة" به ويتعلق الأمر بكل من "محمد الزرن" و"الفيتوري بلهيبة" المخرجين السينمائيين اللذين تخرجا من المدارس السينمائية الفرنسية وقبل أن يحققا الشهرة والنجاح المطلوب .

لا شك في أن "العابد بوحافة" ذي التكوين العلمي الغربي الغالب لم يكن يهتم بموقف الآخرين من هذا التوجه الذي يبدو شاذا لديهم بينما هو فريد لديه. فهو المتعلم في المؤسسات التعليمية الفرنسية وهو المطلع على حداثة الفكر الغربي لا سيما في مجال اللغة والآداب الأنقليزية مما جعله يدرك أهمية السنما كفن جديد بدأ يحتل موقعا متميزا ضمن الفنون في أوروبا وأمريكا . فهو لم يجد حرجا في الإنخراط في هذا الفن وآمتهانه لكن إدراكه غرابة هذه المهنة في مجتمعه جعله يستخدم اسما مستعارا حتى وإن إتخذ ذريعة للتقليل من أهمية دوره الوطني من قبل الأمين العام للحزب الدستوري الجديد الأستاذ "صالح بن يوسف" الذي صرح للصحافة الاستعمارية سنة 1946 بأن "السيد بوحافة" هو ممثل سينمائي معروف بإسم شكري باي ولا يمثل الحزب وهو حر بأن يناضل من أجل بلده. لقد تخللت التجربة السينمائية "للعابد بوحافة" مجموعة من المغامرات وكان ذلك مع مطلع الحرب العالمية الثانية . فقد شهدت تلك الفترة وجوده بمدينة مرسيليا الفرنسية لتصوير شريط سينمائي يحمل عنوان المصير ولكن تعطل التصوير بسبب ظروف الحرب جعله ينخرط في تجربة العمل الصحفي بالإنضمام إلى جريدة اشتراكية فرنسية تسمى(Le mot D ordre) . وآستمر ذلك الوضع إلى سنة 1942 أي إلى أن دعي للتمثيل في شريط بوليسي تحول بموجبه إلى الجزائر للمشاركة في تصوير مشاهده الخارجية في بلدة بشار . لكن الادارة العسكرية الاستعمارية بالجزائر ألقت عليه القبض بتهمة الاتصال بضباط أمريكيين وحوكم بالسجن . وبعد إطلاق سراحه ألقي عليه القبض مرة أخرى بمدينة تلمسان لنفس الأسباب إلى أن قررت السلطة الاستعمارية إبعاده من الجزائر نهائيا فعاد إلى تونس سنة 1943. ويبدو من خلال تلك الأحداث أن "العابد بوحافة" لم يشتغل فعليا بالسنما وإنما هي محاولات قام بها في هذا المجال انتهت إلى الفشل نتيجة أسباب قد تكون خارجة عن نطاقه. وقد كانت مهنته الحقيقية هي العمل الصحفي الذي تولاه بعدّة صحف عربية وأمريكية، فكان مراسل صحيفة "المصري" لمدة ثمانية سنوات حتى أن جمعية الصحافيين المصريين منحته جائزة الملك فاروق الأولى سنة 1949 تثمينا منها لمقالاته حول العلاقات الدولية. كما أن كتابته بآنتظام في "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" حول مختلف القضايا العربية والمغاربية تبرر حصوله على تلك الجائزة وتشهد على كفاءته الصحفية وبسبب ذلك انتخب نائبا لرئيس جمعية الصحافيين المراسلين بالأمم المتحدة وهو ما مكنه من أن يحضر الاجتماع العام للمنظمة الأممية بباريس سنة 1951 . ولكن كل ذلك لم يشفع للسيد بوحافة لكي يعترف بمصداقية أعماله ونشاطاته الصحفية وحتى الوطنية من قبل رموز الدولة الناشئة في تونس . فقد أشار إلى أنه قوبل يوم 8 أوت 1958 على إثر عودته من منفاه الذي استمر أربع عشرة سنة، باعتراف بجميله بطريقة خاصة، وذلك عندما أبلغه عون الشرطة السرية الذي كان في انتظاره بانه يحمل قرارا من وزير الداخلية يمنعه من ممارسة أي نشاط سياسي. كما أبلغ في كتابة الدولة للإعلام بأن السيد كاتب الدولة يمنعه من ممارسة أي نشاط صحفي ويرفض منحه "بطاقة صحفي" وهو ما أهله لأن يكون في حالة بطالة كاملة على حد قوله "إقتضى تأمين قوته ومصاريف دراسة أبنائه من قبل بعض أصدقائه العرب ومن ثمّ صمته الكامل طيلة 30 سنة على الرغم من حاجة "بورقيبة" إليه في حفل الاستقبال الرسمي الذي أقيم على شرف الرئيس التركي حيث وصفه "بأنه صديق لم يناضل فقط من أجل استقلال تونس وإنما ناضل أيضا من أجل الجزائر والمغرب". ولكن ذلك الاعتراف لم يعد "للعابد بوحافة" اعتباره ذلك أنه بقي مهمشا حتى سنة 1985 حيث منحه الملك المغربي "الوسام العلوي" للدور الذي قام به في الحركة الوطنية المغربية وفي استقلال المغرب العربي، ليوسم بعد ذلك بست سنوات أي سنة 1991 بوسام الاستقلال من قبل رئيس الدولة في تونس بعدما كتب رسالته الشهيرة سنة 1988 في 53 صفحة وعنوانها Quelques Pages Noires du Mouvement Nationaliste Neo-Destourien Document soumis a L’Honorable Zine El Abeddine Ben Ali .

لقد كان لتجربة "العابد بوحافة" النضالية عدة مستويات وقد شهدت تطورا ملحوظا . بدأت تلك التجربة بإنشاء أو المساهمة الفاعلة في إنشاء الحركة المنصفية التي كانت تطالب بإرجاع "المنصف باي" إلى العرش الحسيني بتونس بعد أن خلعه قائد القوات الفرنسية بشمال إفريقيا الجنرال "بيرو" بتهمة التعاون مع قوات المحور . وتمكّن "العابد بوحافة" من تنظيم وقيادة مظاهرة سلمية في شهر أفريل من سنة 1945 للمطالبة بإعادة "المنصف باي" . وواصل دفاعه على نفس القضية بفرنسا بعد تحوله إليها سنة 1946 وقد تمكن من زيارته في منفاه بمدينة "بو" الفرنسية. لينشر بعد ذلك تحقيقا مصورا حول وضع الباي المخلوع في مجلة فرنسية تسمى 3 على 4 وذلك باسم مستعار . و باسم مستعار آخر قام "العابد بوحافة" بنشر الكتاب الأبيض المتعلق بقضية "المنصف باي" صحبة صديقه "محمد بدرة" ليقوم بتوزيعه على مختلف السفارات الأجنبية بباريس وعلى مختلف الأوساط الحكومية والبرلمانية . وقد لقي ذلك العمل نجاحا كبيرا خاصة وأنه كان مدعوما من قبل العائلة الحسينية ومن شخصيات سياسية هامة. وبعد ذلك انتقل "العابد بوحافة" إلى الولايات المتحدة وتحديدا إلى مدينة نيويورك التي ستعرف الفعل السياسي الأقوى والأكثر نجاعة في الدفاع عن مختلف القضايا التي آمن بها الرجل مستغلا معرفته بالعمل الصحفي وممارسته له ومعرفته باللغة الانقليزية وآدابها .

بدأت أولى تجاربه هناك في الدفاع عن المسألة التونسية مع زيارة "بورقيبة" الأولى إلى الولايات المتحدة في سنة 1947 ليمهد له السبيل حتى يلتقي بالمجتمع السياسي والإعلامي الأمريكي وبالفاعلين في الأمم المتحدة ليشرح وجهة نظره حول القضية التي قدم من أجلها. ونظرا لذلك الدور الذي بدأ يتميز به "العابد بوحافة" في الدفاع عن القضية التونسية آنذاك وكذلك مختلف قضايا المغرب العربي الذي بات الناطق الرسمي باسم لجنة تحريره التي تشكلت في القاهرة سنة 1947 ممثلا فيها كافة الأحزاب المغاربية رغم إنسحاب بورقيبة لاحقا وإعادة تشكيلها مع بداية الخمسينات ، نظرا لكل ذلك كتب إليه "الحبيب شلبي" مدير الحزب الحر الدستوري التونسي القديم رسالة مؤرخة في 2 أفريل 1948 جاء فيها : "...فإني رأيت من واجبي أن أكاتبكم وربط الصلة معكم لأقدم لك الشكر الجزيل والثناء الذي أنت به جدير على أعمالك المجيدة المبرورة التي تقوم بها في أمريكا لفائدة القضية التونسية وقضية المغرب العربي باسم اللجنة التنفيذية للحزب الدستوري أقدم لك خالص الشكر والممنونية على أعمالكم تلك . وإني بصفتي الآن المدير لأعمال الحزب أرغب منكم أن تراسلوني باستمرار وتعرفوني بنشاطكم ونشاط لجنة تحرير شمال إفريقيا التي ترأسونها وبأسماء أعضائها وتقرير مفصل عن الأعمال التي قامت بها لننشر كل ذلك في جريدة الحزب "الارادة" ونشيد بفضلكم الذي يحاول الخصوم طمسه وكفرانه ونعرف الجمهور التونسي بأعمالكم وأعمال لجنتكم التي أشاد بذكرها "عزام باشا" وكان لها صدى طيب في أوساط الجامعة العربية. ولعل تلك الرسالة تعكس العلاقة الطيبة التي كانت تربط "العابد بوحافة" بجماعة الحزب القديم واستعدادهم للتعاون معه والصورة الايجابية التي بقي يحملها عن حزبهم حتى أنه طلب في إحدى رسائله إلى "بورقيبة" مؤرخة في 22 جوان 1950 ، طلب منه النظر في امكانية التعاون مع الحزب القديم ولكن "بورقيبة" في رسالته الشهيرة المؤرخة في 5 جويلية 1950 إلى "العابد بوحافة" أطلق تسمية القدامى على الحزب القديم وأشار إلى "أنك تعتقد أنهم يشكلون حزبا مكافحا لتحقيق الهدف نفسه وهو الاستقلال وأنهم أكثر تصلبا من حزبنا . وفي الحقيقة إن الأمر ليس كذلك فمنذ أمد انحصر هذا الحزب في كمشة من ذوي الحسد والبغضاء فقدوا إكبار الجماهير الشعبية وتأييدها واقتصر نشاطهم على اتخاذ مواقف يتبجحون بها أمام الناس وذلك لغاية واحدة يسعون إليها وهي عرقلة مساعينا والعمل على إحباطها ولذلك فإن الدعوة إلى وحدة العمل معهم سواء جهرا أو سرا هي بمثابة تشييد على فراغ". وأعد "العابد بوحافة" زيارة بورقيبة الثانية إلى الولايات المتحدة سنة 1951 والتي من المفترض أن يلقي فيها كلمة في مؤتمر اتحاد النقابات الأمريكية في سان فرنسيسكو والتي نشب على أثرها خلاف عميق بينه وبين "بورقيبة" الذي استغل تلك الحادثة لتهميش "العابد" وإخراجه من دائرة الفعل السياسي خاصة بعد عودته إلى تونس سنة 1958. ورغم ذلك الخلاف الذي سنتعرض له لاحقا فإن "بوحافة" لم يبخل في تقديم الخدمات الضرورية لقادة حزب الدستور الجديد أثناء انعقاد مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس سنة 1951 والتي حضرها بوصفه صحفيا معتمدا لدى المنظمة الأممية. كما سهل مهمة الوفد الوزاري التونسي المكلف بعرض الشكوى التونسية على مجلس الأمن على اثر الرسالة التي وجهها وزير خارجية فرنسا دوبار شومان في 15 ديسمبر 1951 إلى رئيس الحكومة محمد شفيق. وساهم "العابد" في التنديد بالموقف الفرنسي على اثر اندلاع الأحداث الناتجة عن تلك المذكرة وإقالة حكومة شنيق وهروب بعض أعضائها مثل "صالح بن يوسف" إلى خارج البلاد وخاصة على إثر الأحداث التي اندلعت في مختلف مناطق البلاد بعد 18 جانفي 1952 . وتشير الرسالة التي وجهها إليه "بورقيبة" في 5 جويلية 1950 إلى أنه من دعاة العمل المسلح ضد الإدارة العسكرية الاستعمارية حتى أن بورقيبة دعاه إلى المساعدة على توفير الأموال اللازمة لشراء الأسلحة على ما في ذلك الموقف التباس. ونظرا لأهمية الجانب السياسي باعتبار أن حركة المقاومة عديمة الجدوى في ظل غياب ذلك المستوى فقد طلب "بورقيبة" من "بو حافة" أن يتصل بالمسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية لإحاطتهم علما بالتطورات التي يمكن أن تحدث إذا دخلت روسيا على الجبهة عن طريق الشيوعيين وطلب منه أن تضغط الولايات المتحدة على فرنسا.

لقد كان "محي الدين القليبي" أشاد في رسالة حاملة لتاريخ 13/12/1948 بموقف "العابد بوحافة" ودوره في نصرة قضايا المغرب العربي بالأمم المتحدة وقد جاء في تلك الرسالة " فقد جمعتني محاض الصدف الرجل العظيم الأستاذ جورج خير الله صاحب حملة "العالم العربي" الذي كان بأمريكا وزار الشرق وأخيرا طاف بشمال إفريقيا ومجرد ما قدمني إليه الأستاذ محمد علي طاهر عرف أنني من تونس سألني عنك وهل لي بك علاقة فقلت له نعم هو كان بي بار وأخ كريم فأخذ يثني عليك ويكبر جهادك وتضحياتك وانقطاعك لصالح بلدك مما رفع راسي في ذلك الجمع العظيم وكنت قبل اليوم سمعت مثل هذا من رجال المكتب العربي بنيويورك وإني أهنيك بهذه الثقة وهذه المكانة التي أحرزتها وأصيك بالمحافظة عليها. كما أشاد بذلك الدور "للعابد بوحافة" الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عزام باشا في رسالة إلى "الحبيب بورقيبة" نشرتها جريدة الصباح في عددها المؤرخ في 4 مارس 1954 جاء فيها " اني لاغتنم هذه المناسبة لأحيطك علما بفعل وإخلاص الأستاذ العابد بوحافة في هذه الأيام العصبية. فقد كان لنشاطه ودأبه وسعيه وخبرته بالأجانب اثر كبير في رفع صوت تونس المجاهدة و قد أحببت أن أعلمك بذلك حتى تكون على بينة من حقيقته". لقد كان "بورقيبة" على بينة من الدور المهم الذي يلعبه "العابد بوحافة" والوزن الذي بدأ يكتسبه شيئا فشيئا وهو ما سيفسر طبيعة العلاقة بين الاثنين.

اما بالنسبة "للعابد بوحافة" فالمسألة جد مختلفة، فهو لم يكن مجرد عضو بسيط في الحزب الدستوري الجديد يأتمر بأوامر قيادته المجسدة في رئيس الحزب "بورقيبة" و كاتبه العام "صالح بن يوسف" وإنما كانت للرجل خصاله السياسة و موافقة التي ترتقي به إلى مرتبة أولئك الزعماء أنفسهم . ينعكس ذلك من خلال تصريح "صالح بن يوسف" عندما سألته الصحافة الاستعمارية حول "العابد بوحافة" فأجاب "السيد بوحافة هو ممثل سينمائي معروف بإسم شكري باي فهو لا يمثل الحزب وهو حر في النضال من أجل بلده". و حول مدى صحة ترأس "العابد بوحافة" للنضالات الفرنكو– تونسية فيما يتعلق بمسألة المنصف باي سئل "بورقيبة" من قبل جريدةTunis soir في عددها الصادر يوم 18 جانفي 1946 وفي رد لا يخلو من غيض وإزدراء أجاب بـ "لا ، أقدر بان هذا الخبر خاطئ وإذا كان ذلك صحيحا فانا أول من يعلم بذلك قبل هذا البوحافة". إذن كانت قضية "المنصف باي" والنضال من اجل إرجاعه إلى العرش هي مدخل الاختلاف بين "بورقيبة" و"بن يوسف" من جهة و"بوحافة" من جهة ثانية. و كما يقول "بوحافة" نفسه فإن العداء الذي يكنه لي الزعيمان التاريخيان للدستور الجديد لا يفسر إلا بذلك العمل الوطني الذي أقوم به والذي فلت من رقابتهما. و هو ما يعكس الرغبة في احتكار العمل الوطني أو قيادته على الأقل .ويمكن تلخيص الاختلاف الذي ارتقى في بعض الأحيان إلى درجة الصراع بين "العابد بوحافة" والزعيمين الدستوريين في النقاط و الوقائع التالية:

- أولى تلك النقاط هي واقعة سان فرانسيسكو ، فأثناء زيارته الثانية إلى الولايات المتحدة سنة 1951 كان من المفروض أن يلقي "بورقيبة" خطابا يوم 20 سبتمبر 1951 في مؤتمر النقابات الأمريكية وقد اسند صياغته إلى "العابد بوحافة" بعد أن حدد له محتواه و ذلك بسبب عدم معرفة "بورقيبة" الانقليزية التي يجيدها "بوحافة". لقد أرسل "بورقيبة" برقية للعابد بوحافة يعلمه بأنه سيأخذ الكلمة أمام المؤتمر يوم الجمعة على الساعة الرابعة. و بموجب ذلك قام "بوحافة" بتوزيع نص الخطاب على و كالات الأنباء وممثلي الصحف. ونظرا لما احتواه ذلك الخطاب من مواقف اعتبرتها فرنسا مسيئة لها واحتجت عليها لدى حكومة الولايات المتحدة ونظرا لنشر جريدة لوموند الفرنسية لنص الخطاب الذي يقول عنه "بوحافة" بأنه لاقى نجاحا شعبيا كبيرا . وخشية لإثاره حفيظة المتطرفين الفرنسيين تبرأ "بورقيبة" في البداية من الخطاب معتبرا أن فرحات حشاد هو المعني بالحديث في ذلك المؤتمر. ثم صرح لجريدة لوموند معتبرا أن تلك الحركة ذات خلفية عدائية. صحيح أن ذلك الموقف أثار حفيظة المقيم العام وجعله يحتج على الباي ويقوم بتوبيخه حسب رواية "صالح بن يوسف" التي رواها "للعابد بوحافة" في حفل عشاء بنزل الماجستيك بتونس بعد ذلك بأيام قليلة. لكن "بورقيبة" كان يعرف أن تلك الحركة التي إعتبرها عدائية لم يكن مصدرها "بوحافة" وإنما هو "بورقيبة" نفسه رغم أنه صرح للصحافة الفرنسية بأن كاتب ذلك الخطاب هو "بوحافة" وليس "بورقيبة". و المفارقة في كل ذلك أن بورقيبة إستمر يصدق أقواله طيلة الثلاثين سنة من حكمه وكان دائما في محاضراته و خطبة يلقي باللوم على "العابد بو حافة" رغم أن بورقيبة يدرك أنه هو من كان وراء ذلك الخطاب.

- ثاني تلك المواقف هو إقدام جريدة ليفغارو الفرنسية على نشر رسالة "بورقيبة" "للعابد بوحافة" في عددها الصادر في 7 أفريل 1952 ،وقد اتهم كل من "بن يوسف" و"بورقيبة" "العابد بوحافة" بأنه هو من سلم تلك الرسالة الى جريدة الفيغارو . لقد احتوت تلك الرسالة الفقرة التالية ، "ذلك أنني مقتنع بان منظمة الأمم المتحدة لن تنظر جديا في القضية التونسية الا في صورة حدوث قلاقل خطيرة بتونس ومن المستحيل أن تنظر في القضية التونسية في جو هادي. لذلك اتصلت في الآن ببعض الشخصيات فيما يخص هذه المشكلة السياسية أي مشكلة الأسلحة ، تكون في البداية أسلحة خفيفة لشن حرب عصابات وانجاز أعمال التخريب والقضاء على الخونة وقد تم إحكام اقرار منظمة سرية إلى جانب الحزب وخارجة عنه وأدق نقطة في هذا الصدد هي مسألة المال. وأنا أحاول ضبط المبلغ اللازم لشحنة أولى على الأقل. وسيكون حوالي 300 مليون فرك بما في ذلك زورق سريع ذو محرك وحمولة قدرها طنان وهذه سواحل قرقنة وجربة صالحة تماما كل الصلوحية لإنزال الأسلحة ولدينا هنالك رياس مجربين وذوو خبرة واسعة، ثم تنقل الأسلحة من بعد ذلك وتوزع على المستودعات السرية عندما تدق الساعة. لكن مشكلة الأموال باقية على حالها ولئن لم يمكن لنا جمعها بتونس الخ..".

لقد رد "العابد بوحافة" على تلك الاتهامات برفع قضية ضد الجريدة التي نشرت مسائل تتعلق بشأن خاص تمثل في الإطلاع على رسائل شخصية ، وحكمت المحاكم الفرنسية لصالحه. لكن "بوحافة" يشير في تقريره إلى أن "بورقيبة" لعب دورا في إقناع محامي "العابد بوحافة" بالعدول عن الدفاع في تلك القضية ، ولما فشل اتجه إلى الشهود لإقناعهم بعدم الإدلاء بشهاداتهم ولكنه فشل مرة أخرى. كل تلك المواقف تضع "بورقيبة" موضع شك خاصة وأن المضامين المتعلقة ببعث حركة مقاومة وتسليحها والحديث عن التسليح بتلك الدقة والتفصيل في رسالة مكتوبة هي عرضة للسقوط في يد الاستخبارات العسكرية الاستعمارية الفرنسية ، تعكس نية مبيتة في الإيقاع بـ"العابد بوحافة" . وقد يتأكد ذلك إذا أخذنا في عين الاعتبار كل تلك المستويات من الصراع بين "بوحافة" من ناحية والقادة الدستوريين من ناحية أخرى ، التي يضاف اليها إدانة "بوحافة" زيارة الوفد التونسي إلى الأمم المتحدة المكون من "صالح بن يوسف" و"محمد بدرة" و "الباهي الأدغم" للمندوب الصهيوني بالمنظمة الدولية سنة 1952 ، ورفضه كذلك تصريح "صالح بن يوسف" للصحافة الدولية من أنه لا يرى مانعا من انضمام تونس إلى الحلف الأطلسي بعد استقلالها .وقد اعتبر"بوحافة" أن ذلك من مشمولات الشعب التونسي ولا يحق لأي كان مصادرته . لقد بعث "بوحافة" برسالتين إلى "بورقيبة" على اثر خطاب "منداس فرانس" في 3 جويلية 1954 وذلك في 7 و10 أوت 1954 يهنئه بالاعتراف بالاستقلال الداخلي ويشكو من تصرفات "صالح بن يوسف". رد عليه "بورقيبة" في رسالته المؤرخة في أول سبتمبر 1954 جاء فيها: " أن ما وجدته من متعة في قراءة رسالتيك بعد أربع سنوات من الانقطاع قد أفسدته أحكامك الشائنة على صالح بن يوسف رفيق الكفاح طيلة 20 سنة و هورجل ازعم أني اعرفه أكثر منك واعتبر أنه كان دوما في مستوى المسؤوليات الجسام التي يتحملها منذ 17 سنة على رأس الحزب . ولا مراء أن "سي صالح" له عيوبه كسائر الناس . فهو حاد الطبع عنيد أحيانا بل قاس إزاء بعض الرفاق في الديوان السياسي لكن لم يغتظ إلى حد الآن من ذلك أي احد إلى درجة اعتباره عدوا شخصيا". و بعد سنة واحدة من ذلك التاريخ نشب خلاف اللاعودة بين "برقيبة"و"بن يوسف" و انتهى بتصفية هذا الأخير في ألمانيا سنة 1961 ، أما "العابد بوحافة" فالبرغم من تأييده لبورقيبة ولآتفاقيات الاستقلال الداخلي والاستقلال التام فقد حرم طيلة فترة الحكم البورقيبي من حقه في العمل لاسيما النشاط السياسي والصحفي .

وعلى الرغم من الدور الذي لعبه العابد بوحافة في التعريف بالقضايا العربية فإن القضية الفلسطينية لم تأخذ موقعا مهما في نشاطه السياسي، إلا في حدود رفض المقابلة بين كل من "صالح بن يوسف" و"محمد بدرة" و"الباهي لدغم" مع السفير الإسرائيلي بالأمم المتحدة، مع أنه يعلن إعتزازه بهويته العربية وبعقيدته الإسلامية وبالمواطنة التونسية. بينما كانت قضايا المغرب العربي وخاصة تونس والجزائر والمغرب هي الأكثر حضورا في وعي "العابد بوحافة" فهو المكلف من قبل "مصالي الحاج" للدفاع عن القضية الجزائرية بالأمم المتحدة وبالولايات المتحدة . كما كان ممثلا لجبهة التحرير الجزائرية في نفس المكان بعد أن كلفه "محمد خضير" أحد زعماء تلك الجبهة بذلك. وقد لعب عدة ادوار في الدفاع عن تلك القضية بالإضافة إلى العمل على عرضها أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن بتنسيق مع المملكة العربية السعودية وجامعة الدول العربية. إحتج "العابد بوحافة" عدة مرات لدى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على استخدام فرنسا لطائرات الهيلكوبتر ذات الصنع الأمريكي في مطاردة الثوار في المغرب العربي في حين أن تلك الحكومة كانت تصرح بأنها ستستفيد منها فقط في نقل الجرحى من جنودها. إن "العابد بوحافة" بالإضافة لكل ذلك هو كاتب وموزع كتابين هامين حول القضية الجزائرية ، الأول هو "شواهد موثقة حول نورمبرغ جزائرية" صدر في 16 أكتوبر 1956 والثاني هو "التطهير العرقي والتعذيب في الجزائر" نشر في 17 ماي 1957. أما فيما يتعلق بالقضية المغربية فقد عينه "عبد الكريم الخطابي" رئيس لجنة تحرير المغرب العربي نائبا عنه لدى حكومة الولايات المتحدة وأرسل برسالة إلى وزير الشؤون الخارجية الأمريكية في 16 جانفي 1949 جاء فيها "لتنوير قضيتنا لشعب الولايات المتحدة ثم كافة شعوب العالم الحر وسياسييه أوفدنا الأستاذ "العابد بوحافة" الذي يحمل إلى معاليكم كتابنا هذا والذي نرجو أن يجد من عنايتكم وعناية كافة المسؤولين في الولايات المتحدة ما يهيء له وييسر أسباب الدعاية للقضية التي أوفدناه من اجلها ولكل ما يعهد له من الأعمال". كما كلفه "أحمد بلفريج" الأمين العام لحزب الاستقلال المغربي بتقديم رسالة إلى منظمة الامم المتحدة للمطالبة باستقلال المملكة المغربية . ويعكس ذلك ثراء تلك ثراء تلك التجربة ونجاعتها في التعريف بقضايا المغرب العربي بعد أن بات الرجل من أكبر المؤمنين بها.

إن هذه الورقة لا تستطيع أن تأتي على كامل تجربة الرجل فالأرشيفات الصحفية وملفات الاستخبارات الفرنسية وغيرها تحتوي على آلاف التقارير والصفحات حول تجربة سياسية وصحافية ونضالية هي جديرة بأن تكون موضوع أطروحات وندوات علمية بأكملها. وهو جدير بأن يطلق اسمه على مواقع محتلفة في موطنه جرجيس أو في غيرها من المدن التونسية والمغاربية.



· توفي العابد بوحافة يوم 6 سبتمبر 1992

· أستاذ محاضر في علم الاجتماع المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس