‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال صحفي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال صحفي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 16 يناير 2011

سيدي بوزيد والقصرين.. بين اعلام المخزن واعلام السيبة مقال كتبناه يوم 11 جانفي 2011

سيدي بوزيد والقصرين..
بين إعلام المحزن وإعلام السيبة
أ.د.سالم لبيض
أستاذ محاضر في علم الاجتماع
جامعة تونس المنار
labiadhsalem@yahoo.fr
مفهومان نستعيرهما من حقل النظرية التاريخية لفهم ظاهرة اجتماعية كثيرا ما صنفت ضمن ظواهر ما بعد الحداثة بالرغم مما يبدو في ذلك من غرابة ومفارقة. الأول يحيل على مجالات تدخل الدولة وسيطرتها وإخضاعها لرعاياها من القبائل والعروش والمجموعات طوعا أو كرها لتدفع الجباية صاغرة سواء كانت قادرة على ذلك أو عاجزة، والثاني يحيلنا على المناطق التي أفلتت من رقابة تلك الدولة فبات أهلها في حل من أداء المجبى إلا أن تُجيش لهم قوات عسكر المحلّة فيؤدي الضريبة من يقع في براثنها مالا أو سجنا. هذا هو القانون الذي يحكم الظاهرة الإعلامية اليوم، إعلام المخزن هو إعلام الدولة، وإعلام السيبة هو لسان حال الأفراد والمجموعات من جمعيات ونقابات وأحزاب وتنظيمات أو هو إعلام المجتمع برمته ..الخ، وفي حين يسند الإعلام المخزني تدخل الدولة ونشر أيديولوجتها ويساعدها على القيام بوظيفتها بوصفها جهازا يشترك فيه الجميع ويعبر عن إرادتهم في الدول التي تعتمد مبدأ المشاركة والتداول، فإنه يتحول إلى جهاز للدعاية والهيمنة والتزييف في نظيراتها التي يعوزها ذلك. إن إعلام السيبة هو الذي أفلت من رقابة الدولة ومن تدخل أجهزتها وهو المعبر عن تلك المجموعات المكونة للمجتمع المدني والسياسي المذكورة سلفا وهو أداتها في التأثير وفي الدعاية المضادة وفي الحيلولة دون تغوّل جهاز الدولة ووسائلها التنفيذية وبالتالي خروجها عن الرقابة والسيطرة.
لقد احتكرت الدولة المشهد الإعلامي في تونس لمدة تزيد عن النصف القرن وكان التلفزيون هو الجهاز العجيب الذي يستخدمه رجل السياسة أو هو يحتكره لبث الخطاب الذي يمهد الطريق أمام تنفيذ سياساته ومخططاته وبقائه في السلطة وإنه في ذلك لساحر. وهذا السحر شمل كذلك شريحتين أغدقت عنهما الدولة ومؤسسة الحكم من عطاياها الإعلامية والمالية فتمتعت بالمزايا الموهبة لتكتمل الصورة التلفزيونية التونسية ثلاثية الأبعاد حكما وكرة وغناء، ولا يجد المتابع البسيط للمشهد التلفزيوني التونسي عناء في إدراك تلك الثلاثية بوصفها تجسيدا لاحتكار الفضاء الإعلامي وخاصة التلفزيوني منه. وكثيرا ما كنا نسمع في أوساط المثقفين والأكاديميين صرخات الاحتجاج والتذمر من هذا الاختراق الذي جعل من تلفازنا الوطني صوتا واحدا ووحيدا للحكومة و"المزاودية" و"الكوارجية"، وحتى لا يفهم من تعوزه وسائل الفهم أن الأمر يتعلق بالعداء لتلك الشرائح نشير فقط إلى أن ذلك التذمر مأتاه الاحتكار الذي تمارسه مؤسسة ما كان لها لتبقى وتستمر لو لا المجبى القسري المفروض على من يشاهدها، ولا يشاهدها، فأنت تدفع ضريبة التلفزيون أردت ذلك أم أبيت مرة كل شهرين ضمن فاتورة الكهرباء ويمكن أن تدفعها مرتين وثلاث وأربع .. إذا كنت مالكا لأكثر من عداد كهربائي في متجر أو مصنع أو غيره، أليست تلك صفة مخزنية صرفة؟ فليكن ذلك، فهو واجب وطني ! يؤديه القادر والمحروم سواسية، لكن أليس من واجب القائمين على التلفزيون إدراك هذه الحقيقة وبالتالي تعميم صفة المشاركة التلفزيونية ليكون التلفزيون لسان حال المجتمع ونخبه من جامعييه ومفكريه ونقاده وسياسييه خارج دوائر الحكم؟ أليست تلك صفات التلفزيون في كثير من الدول الغربية وحتى غير الغربية التي تعطي للمشاركة معنى؟ أليس رجال الفكر ومختلف النخب أولى من "الكوارجية" و"المزاودية" بالفضاء التلفزيوني والإعلامي عموما ؟ نعتقد أن هامش الحرية الذي منحه السياسي لهؤلاء كان سيفضي إلى نقاش اجتماعي وسياسي متميز لو أن المساحة نفسها خصصت لقضايا الشأن العام التي لا يستطيع الحديث فيها سوى نخبة البلد، ولنأت مؤسسة الحكم بنفسها على تحمل مسؤولية هذه الظاهرة الفريدة التي لم يعرف العالم نظيرا لها وهي الانتحار حرقا كرد فعل على البطالة والتهميش الناتج عن سياسات الحكومة وخياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وهي في واقع الأمر عنوان خواء إعلامي لم يستطع ملأه كل من الإعلام "الكروي" والإعلام "المزاودي" اللذان عُهد لهما بذلك الدور. ولنسمي الأشياء بمسمياتها فنقرّ بأن الهدر المالي والإعلامي والزمني الذي مارسه التلفزيون الوطني وبقية وسائل الإعلام لفائدة الشرائح المحتكرة للتلفزيون التي ذكرناها سابقا لم يق أو يستبق أو حتى يشخص العوامل التي أدت إلى نشوب أحداث سيدي بوزيد والقصرين التي باتت عنوان بلد بكامله ولا ندري إلى ما ستفضي لاحقا. وينسحب الأمر على التلفزيونات والإذاعات التي نشأت في السنوات الأخيرة وأسماؤها كثيرة من حنبعل إلى نسمة إلى موزييك إلى جوهرة إلى شمس إلى الزيتونة إلى الإكسبريس والقائمة مفتوحة، كلها وان ادعت التعبير عن التعدد والتنوع الإعلامي وعن الاختلاف فقد كانت خارج مشهد سيدي بوزيد وتالة والقصرين وتدعياته، بل هي خارج مشهد المجتمع برمته لغة وقيما وهوية ورسالة إعلامية، وهي تدرك وتتابع كل شاردة وواردة في ذلك المشهد ولكنها تخلت عن وظيفتها في الأعلمة لأنها وببساطة نشأت نشأة مخزنية فلم تستطع الخروج عن المقاربة التي اختارتها الدولة لنفسها في المعالجة، مقاربة حجب الحقائق وتظخيم المعطيات والمؤشرات وانتهاج أسلوب التعويم الإعلامي، المفارقة في كل ذلك هو أن هذه الوسائل والتعبيرات الجديدة تصنف نفسها على أنها مستقلة ومحايدة ومعولمة وهي بذلك عنوان ليبرالية إعلامية تحاكي نظيراتها الغربية وخيارات البلاد الاقتصادية والسياسية، ولا يحكمها سوى قانون المنافسة وفق الميثاق الأخلاقي للعمل الإعلامي، فإذا بعضها يتحول إلى أداة إدانة لحركة مجتمع بكامله لم تخل منها قرية ولا مدينة، تطالب ببعض الحقوق المكفولة دستوريا مثل حق الشغل وحق التجمع والتظاهر والتعبير وأخرى في منتهى القانونية مثل التوزيع العادل للثروة والتنمية الجهوية المتوازنة. كما تجد تلك المكونات الإعلامية نفسها في مواجهة قطاعات وشرائح من المجتمع هم المؤتمنون على تربية أبنائهم من مدرسين بأصنافهم، وأخرى مؤتمنة للدفاع عن الحقوق وهنا نحيل على قطاع المحامين الذي انخرط بصفة مكثفة في الحركة الاجتماعية الجديدة. وقد بلغ الأمر أوجه عندما بررت إطلاق الرصاص على العزل من الأفراد وإرداء البعض منهم قتلى رغم أن ما تم حرقه لا يساوي نفسا واحدة مهما بلغ حجمه دون أن يكون ذلك تبريرا للحرق والإضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة، ووصفهم بأنهم مجموعات مهاجمة من الإرهابيين والملثمين، وهذه المجموعات كثيرا ما كانت مدينة بأكملها كما بدا ذلك ظاهرا في تالة والقصرين والرقاب وجندوبة. فالأمر يتعلق بحركة اجتماعية تستبطن واقع مجتمع بحاله وتنشد تغييره إلى الأفضل، ذلك ما كشفه الإعلام البديل أو إعلام السيبة كما اخترنا تسميته، فهو إعلام سائب بكل المقاييس، ليس بسبب خروجه عن مجالات الرقابة والتدخل فحسب وإنما بسبب قدرته على أن يكون الإعلام البديل لما تبثه الدولة التي كثيرا ما روجت لحرية الإعلام واستقلاله عنها حتى أنها قامت بحل وزارة الإعلام المتولية لذلك الشأن قبل أن تنشأ بديلا مغلّفا لها هو وزارة الاتصال. وفي ظل الفراغ الإعلامي الناجم عن سياسة التجاهل والتعتيم الرسمية لما تشهده الجهات من أزمة اجتماعية حقيقية وحركة احتجاجية لم يُعرف لها نظير منذ ما يناهز ربع قرن وجد الإعلام السائب الأرضية المناسبة ليملأ ذلك الفراغ ويسدّ ذلك الخواء. ففي سيدي بوزيد وقراها وفي القصرين ومعتمدياتها ومختلف المدن والمناطق المحتجة والمنتفضة من جنوب البلاد إلى شمالها ومن غربها إلى شرقها لم نر مراسلا واحدا لقناة أجنبية أو محلية، لم نر مراسلي رويتر أو فرانس براس أو وكالة تونس إفريقيا للأنباء أو غير ذلك ولم نر مبعوثي الجزيرة أو فرانس 24 أو قناة الحرة أوالبيبسي ولم نشاهد مكاتب وبيانات وتغطيات وصحفيين محترفين وأجهزة كبيوتر وكمراهات وأضواء مثلما شاهدنا ذلك في قمة مجتمع المعلومات وفي افتتاح السنة الدولية للشباب وفي المناسبات الكبرى كالانتخابات. وإلى حد هذا المستوى قد يكون الأمر مقبولا أو مبررا، أما أن لا نرى ولا نسمع عن وجود تونس سبعة ونظيراتها وتغطية تلك الأحداث وتحليلها وفق رؤية وطنية متعددة الأوجه والآراء، فهذا يعني أن التلفزيون الوطني قد أصابه نوع من الموت السريري، أوهو الموت الحقيقي بعد أن صار قتل الفقراء والجوعى قابلا للتبرير، ليفسح المجال أمام الإعلام الجديد والتلفزيون الجديد مرّة واحدة، أمام الشبكة العنكبوتية التي تتسع للجميع، أمام اليوتوب والتويتر والفايسبوك والسكايب وهي الفضاءات القابلة للولوج أمام كل من يرغب في ذلك. هي فضاءات عمومية افتراضية لكنها تمتلك قدرة لا متناهية على تخزين وبث كل ما يدور في الواقع اليومي للناس مهما كانت مراتبهم الاجتماعية والسياسية سواء كان ذلك في شكل بيانات أو صور أو فيدوهات وسواء كان ذلك مباشرة أو بصفة غير مباشرة. وهذا الصنف من المادة الإعلامية لا يحتاج إلى مبان ضخمة هي بمثابة القلاع المحصنة كما هو أمر تلفزيوننا الوطني، ولا يتطلب تكنولوجية دقيقة باهظة الثمن ولا مصورين وصحفيين محترفين قادرين على ترويج ما يرونه صالحا للترويج واستبعاد ما يعتقدون أنه مفسدة للعباد والبلاد. إن هذا الإعلام السائب سلاحه هاتف محمول مرتبط مباشرة بشبكة النت أو هو قابل تقنيا للارتباط بها، صحفييه هم من صناع الأحداث اليومية ينقلونها مادة خاما على سليقتها دون تحسين أو تزويق أو مقص أو رقابة وأحيانا هم ضحاياها، وهذا ما جعله جديرا بأن يحظى بالثقة التي مُنحت له فتحول إلى نوع من الإعلام الشعبي في مقابل إعلام الحكومة أو الدولة، بل هو اليوم مصدر إعلام كثير من الحكومات والتلفزيونات. ولقد بينت أحداث سيدي بوزيد والقصرين وما تلاها في مختلف المناطق وحتى في الجزائر أن هذا النوع من الإعلام لا يصنع الحدث السياسي والدبلوماسي فحسب وإنما هو العين التي لا تنضب في ما تبثه كبرى القنوات التلفزيونية المتربعة على عرش إمبراطورية الإعلام في العالم، وهو قادر لعمري على الإطاحة بحكومات بأكملها إذا لم تقرأ الدرس جيدا، ناهيك أن بعضها فشل فشلا ذريعا في وضعه تحت سلطة الرقيب لأن ذلك يقتضي فك الارتباط مع شبكة النت نهائيا وهذا محال اليوم لأن الشبكة باتت عصب الاقتصاديات الوطنية والعالمية والمؤسسات المالية، وشريان حياتها، وإن الدولة التي تريد أن يشملها الانتحار عليها أن تقوم بذلك.

الخميس، 30 ديسمبر 2010

أحداث سيدي بوزيد... من أجل أن تبقى شأنا وطنيا صرفا مقال منشور بجريدة الوطن بتاريخ 30 ديسمبر 2010

أحداث سيدي بوزيد...
من أجل أن تبقى شأنا وطنيا محضا
أ.د.سالم لبيض
أستاذ محاضر في علم الاجتماع السياسي
جامعة تونس المنار
labiadhsalem@yahoo.fr

ما من شك في أن الاسم لم يعد يتطابق مع المسمى والوقائع لم تعد تتطابق مع العنوان لأن الأحداث وبكل بساطة انطلقت شرارتها من سيدي بوزيد المدينة ومعتمدياتها المجاورة، ولكنها اليوم عنوان مناطق عديدة مثل القيروان والقصرين ومدنين وصفاقس وتونس العاصمة وسليانة وقفصة والكاف وباجة وبنزرت وحتى سوسة المدينة المحظوظة. ولا نعرف إلى أين ستمتد لاحقا لأن الأسباب التي ولّدتها لا تخلو منها مدينة ولا قرية ولا ريف ولا بادية فأين ما وليت وجهك ستعترضك "فلول" البطالين والمهمشين القابضين على جمر البطالة والفقر والتهميش. نحن نعرف ذلك جيدا لأن طلبتنا وطالباتنا كثيرا ما يستغلون هامش الحوار معهم لإثارة جدوى الدراسة والتعلم في ظل انسداد الآفاق المهنية وتكاثر بل وتضاعف أعداد الخريجين الذين تقذف بهم الجامعات إلى الشوارع دون وجود بصيص أمل في الشغل ولو كان ذلك بعد عدة سنوات، حتى وصل عددهم إلى أكثر من 150 ألف حسب الإحصائيات الرسمية للدولة وحسب الأرقام التي تنشرها بعض الوزارات عند إجراء مناظرة أو فتح خطة لانتداب عون أو مجموعة من الأعوان، ليضاف إليهم 40 ألف خريج حامل للأستاذية أو الإجازة سنويا لا يشتغل منهم إلا النزر القليل ومن بينهم من لا يجد لنفسه مكانا في سلم الشهادات التي تعترف بها المؤسسات العمومية والخاصة ولا يُنتدب أصحابها للعمل إلا بقدرة قادر، وهنا نشير تحديدا إلى خريجي علم الاجتماع الذين تتناثر المواد المشكلة لاختصاصهم في البرامج التربوية دون أن يتولون تدريسها، وفي مختلف المؤسسات دون أن ينتدبون لمعالجتها.
نتساءل من موقعنا بوصفنا من أهل الذكر في شؤون المجتمع وقضاياه هل أن الأمر يتعلق بمجرد حادث معزول قام به شخص لم يمتثل للتراتيب المعمول بها والقوانين المنظمة للحياة العامة فأقدم على حرق نفسه، وآخر اختار الانتحار لأسباب مجهولة، يستغله اليوم من يصطادون في المياه العكرة كما يروج لذلك الإعلام الرسمي؟ إن التحليل والفهم الذي ينشد الموضوعية هو في منأى عمّا يروجه الإعلام الرسمي من خطاب صالح لكل زمان ومكان في تشخيص مثل تلك الأحداث فهو مُنسحب لا محالة على أحداث الخبز لسنة 1984 وما جرى في الرديف سنة 2008 وفي بنقردان سنة 2010 ..، على الرغم من أن ذلك لا يخدم المجتمع ولا مؤسسة الدولة والحكم التي من المفترض أنها تعبيرة من تعبيرات ذلك المجتمع. إن التعريف البسيط لما جرى ويجري في سيدي بوزيد ومدنها وقراها وفي مختلف مناطق البلاد الأخرى هو نوع من الحراك الاجتماعي والسياسي الذي يفرضه المجتمع من فترة إلى أخرى لتعديل أنساقه وأنظمته وجعلها تشتغل بطريقة سليمة ومتوازنة وقد عرفت البلاد الكثير منه بداية بربيع العربان الذي قاده علي بن غذاهم وصولا إلى الاحتجاجات الراهنة، وهو فعل ناتج عما تقوم به الحركات الاجتماعية والسياسية ومختلف مكونات المجتمع المدني والسياسي من دور تعديلي لوظيفة الدولة بوصفها الجهاز الوحيد الذي يمتلك شرعية استخدام العنف والإكراه واحتكاره. وعندما تُفكك قوى الحركة الاجتماعية الجديدة المنبعثة من قفصة والرديف ثم من برقردان وصولا إلى سيدي بوزيد وما تلاها، تقابلنا منذ البداية قوة شبابية لا يُستهان بها تبدو من أول وهلة أنها عفوية وغير منظمة وهذا بدوره أمر خطير لأن تلك القوة تنبعث من خارج التوقعات والبرامج والمؤسسات بالرغم من الاستشارات الشبابية والسنة الدولية للشباب وما صاحبها من دعاية لم تعد تقنع الشباب أنفسهم ومن استثمار سياسي بدا مبالغا فيه. ولكن عفويتها تبدو محدودة فهي تمثل قوة احتجاجية لم يفلح في "تدجينها" الخطاب الأيديولوجي والسياسي الرسمي الذي كثيرا ما وصف نفسه بأنه المؤتمن على البلاد والعباد. وهؤلاء الشبان الذين يشعرون بأنهم تحت الضيم مما دفعهم إلى الشوارع والاحتجاج وحتى "التمرد"، لم يتمكن ذلك الخطاب من الحفاظ على وظيفة الوصاية التي يتولاها تجاههم منذ نصف قرن أو يزيد، وهذا درس مهم من الدروس المستفادة. وهذه القوة الشبابية التي تتظاهر هنا وهناك وإن اختارت التظاهر كأسلوب فهي تعبر بذلك عن الوعي بالخلفية المدنية في المطالبة بالحقوق لأن بعض أترابهم وأصدقائهم وأقرانهم في المدرسة والجامعة اختاروا الانتماء إلى تنظيمات القاعدة والجهاديين وتعج بهم السجون والمحاكم والملاحقات ومنهم من لقي حتفه في إحدى الجبهات العسكرية المفتوحة لفائدة كبار اللاعبين الاقتصاديين الدوليين وهو يعتقد أنه يقاتل دفاعا عن إعلاء كلمة الله في الأرض، والبعض الآخر ألقى بنفسه إلى حيتان البحر لتأكله وهو يحلم بالوصول إلى أروبا الجنة المنشودة. فهذا الشكل أي التظاهر والاحتجاج في الشوارع هو دليل خلفية فكرية ناضجة ومعتدلة، ولنقلب الصورة فما رأيكم أيها السادة لو أن هؤلاء الشباب العاطلين عن العمل لسنوات من خريجي الجامعة ومن غيرهم وبدل من التظاهر في الشوارع قام الآلاف منهم بإحراق أنفسهم أو الانتحار على أعمدة الكهرباء وتوزيع صورهم على وسائل الإعلام العالمية فكيف سيكون موقف الحكومة والقائمين على الدولة والمجتمع؟ إن هؤلاء الشباب يتأثرون بدون شك بما يشيعه الإعلام ولهم من الإمكانيات الذهنية التي تمكنهم من تقمص الأيديولوجيا أو الموقف السياسي الذي يبتغون وأن وصفهم بالعفوية التامة هو نوع من الانتقاص من قدراتهم ومن وعيهم ومن إرادتهم بل هو احتقار فاضح لهم ولمطالبهم المشروعة، وهو بالإضافة لكل ذلك نوع من التعسف ضدهم. إن هؤلاء الشباب يعلمون أن تضحياتهم الكبيرة على مقاعد الدراسة لم تمنحهم ما تمنحه ملاعب كرة القدم أو مسارح الأغنية أو المسلسلات التلقزيونية أو بعض الأنشطة الربحية القائمة على المضاربة، لأصحابها من مال وشهرة ودعاية وسلطة وتأثيرا، لكنهم لم يتوقعوا البتة أن الدراسة والجامعة ستتحول إلى نوع من الرذيلة الاجتماعية لأن خريجها باتوا في أدنى سلم التراتب الاجتماعي أو هو سلم القيم قد انقلب إلى ضده. دوافع كثيرة قادت الشبان إلى هذا الفعل الاحتجاجي من أهمها سوء التوازن الجهوي واستشراء التجاذبات الجهوية التي تحولت إلى نوع من مراكز القوى في أوساط أصحاب القرار فأنتجت مشاريع تنموية مختلة لفائدة بعض المدن الساحلية والعاصمة على حساب بقية المناطق في الشمال والوسط والجنوب، وكثيرا ما كانت نتيجة ذلك تفاقم النزوح والهجرة فأُفرغت مناطق بكاملها وعظُمت أخرى وباتت العاصمة(تونس الكبرى) والمناطق الساحلية وصفاقس، تعدُ أكثر من ثلثي البلاد فتتمركز بها الوزارات والإدارات والمستشفيات والمصانع الكبرى وغالبية النزل والجامعات الهامة، كل ذلك في مثلث أضلاعه محددة، وباتت بقية الجهات مجرد مطمور لخدمة ذلك المثلث وتوفير مستلزماته، فما تنتجه من ثروات طبيعية من نفط وغاز وفسفاط وحديد وملح (لا يُعرف حجمها تحديدا) .. ومن منتجات زراعية وفلاحية -ومنطقة سيدي بوزيد أحسن مثال على ذلك- تعود بالنفع على ذلك المثلث لاسيما العاصمة منه لأنها تحتوي المقرات العامة للشركات المستثمرة العمومية منها والخاصة. إن اللافت للانتباه هو طبيعة القوى التي تقف وراء تلك الحركة الاجتماعية التي انتشرت كالنار في الهشيم، فالأمر لا يتعلق بمجرد فعل عفوي لشاب أو مجموعة من الشباب وإن كان منطلقه كذلك، لأن كافة التحركات بدون استثناء قد احتمت بالاتحاد العام التونسي للشغل، وإن تنصلّت قيادته من تبنيها (انظر تصريح عبد السلام جراد الأمين العام للاتحاد إلى جريدة الصباح بتاريخ 28 -12-2010)، فإن النقابات وإطارات وقواعد المنظمة النقابية هم القوة التي أسندت الفعل الاحتجاجي وحولته من رد فعل "عفوي" إلى فعل منظم ولعل ذلك قد وفر الفرصة أمام كثير من النقابات والاتحادات المحلية والجهوية وحتى المركزية للخروج مما يمكن تسميته بالبطالة النقابية وتغيير اتجاه النقاش العام في الوسط النقابي من الداخل ووجهته الفصل العاشر والتداول المشروع على السلطة والمسؤولية، إلى الخارج ووجهته القضايا الاجتماعية المتعلقة بالتنمية والبطالة والتشغيل. وهذا الأمر يكاد ينسحب على الأحزاب السياسية المعارضة بتوجهاتها المختلفة فكافة قواعدها ومناضليها وحتى قيادتها تبدي التعاطف مع الأحداث أو تشارك فيها أو في قيادتها ميدانيا، ولكن بعضها يجد نفسه تحت الضغط الحكومي الداعي إلى عدم المشاركة والتأييد وفي أحسن الأحوال تجاهلها أو التنديد بمن روج لها إعلاميا وخاصة قناة الجزيرة القطرية وتحويلها إلى كبش فداء (بيان الاجتماعي التحرري والاتحاد الديمقراطي الوحدوي والوحدة الشعبية وحزب الخضر بتاريخ 27-12-2010) في حين أن نفس الدور تتولاه قناة الحرة الأمريكية وفرنسا 24 الفرنسية وكثير من القنوات الأخرى، وقد يعود ذلك إلى غياب الإعلام الرسمي عن مسرح الأحداث وتجاهله لما يجري ليحل محله ما بات يعرف بإعلام المواطن الذي ينطلق من ساحات الفعل اليومي إلى القنوات الدولية مباشرة مستخدما وسائط النت، أما البعض الآخر من الأحزاب فقد وجد في الحركة الاحتجاجية مبتغاه واصفا إياها بالانتفاضة والثورة وكأنها الفرصة المتاحة لتصفية حسابات قديمة عالقة مع الحكومة والحزب الحاكم وسياساته. ولكن هذا الاتجاه تدعمه شريحة مهنية ذات تأثير ومصداقية ونقصد بذلك المحامين الذين نظموا أو شاركوا في العديد من المسيرات والاعتصام واصفين تلك المشاركات بأنها عربون دفاع عن الحق وهم الصف الأول للقيام بهذه المهمة، تشهد على ذلك كثير من المحاكم في مختلف الولايات. إن مشاركة النقابات والأحزاب والمحامين يعطي الدليل على أن الحركة الاحتجاجية ليست مجرد فعل معزول أو غوغائي وهي لا تستهدف الحكومة في ذاتها وإن تبنى البعض ذلك الاتجاه وإنما تهدف إلى تغيير السياسات العامة للدولة. وهذه السياسات لم توضع بعد نقاش عام وحقيقي وشفاف شاركت فيه مختلف الأطراف المذكورة سلفا، كما أنها اختيارات رسمت من قبل المقرضين من أمثال الاتحاد الاروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهم وبصماتهم في التفويت في مؤسسات الدولة لتسديد الديون المتخلدة بادية للعيان ومنشورة على مواقع الوزارات مرجع النظر، ناهيك أن المشرفين على وضع تلك السياسات والمشرفين على تنفيذها لم يتغيروا في أغلبهم منذ أكثر من عشريتين وما يعنيه ذلك من عدم بعث روح جديدة ودم جديد يستند إلى أفكار ورؤى مغايرة في جمهور المشرفين على تسيير الدولة الذين هم في حاجة إلى القيام بعملهم في كنف الشفافية والوضوح والخضوع للرقابة الإعلامية والقضائية. لكن يبدو أم الحكومة قد سلكت مسلكا آخر يعتمد اتجاهات ثلاثة، الأول أمني يلوّح باستخدام العصا الغليظة أو هو يستخدمها وكأن التاريخ متوقف في زمنه الأول، وذلك بالتصدي للتحركات وملاحقة من يصنفون بالخروج على القانون وتقديمهم للمحاكمة أو وضعهم على ذمتها، والثاني يعتمد نوع من "الرشوة" للمناطق التي تشهد تحركات وذلك بضخ مزيد من الأموال لم تكن مبرمجة سابقا ضمن ميزانية تلك الجهات، لتحسين وضع المحتجين وإسكاتهم وثنيهم عن مواصلة حركتهم، وهذا العلاج لا يزيد الوضع إلا تأزما لأن الجهات التي لا تحتج لا يكون لها نصيبا وهذا يدفع بعدوى الاحتجاج في الجهات إلى أقصى درجاته، والثالث هو تجييش الإعلام الرسمي وما كان يعرف سابقا بالمنظمات القومية بوصفها جزء من المجتمع المدني، والهيئات التشريعية وكذلك بعض الأحزاب القريبة من مؤسسة الحكم لإدانة ما يجري ومن يقف وراءه من أعداء حقيقيين أو وهميين يعملون على تشويه صورة البلاد النقية الناصعة والتآمر على النجاحات التي تحققت...إلخ. وهذه المعالجة بمكوناتها الثلاث لم تعد الوصفة الأنجع في مشهد سياسي واقتصادي دولي صعب ومعقد سرعان ما تتمكن قواه النافذة أن تدويل ما كان بالأمس القريب وطنيا صرفا، ولنا في جنوب السودان ودارفور ولبنان ويوغزلافيا السابقة...أمثلة دالة في دعم هذه المجموعة أو تلك، وعندها لن ينفع ندم النادمين من الحكام والمحكومين.

الاثنين، 7 ديسمبر 2009

في ذكرى العابد بوحافة : مقال منشور في جريدة الوطن الأعداد 112 - 113 - 114

في ذكرى المناضل العابد بوحافة· :

المسكوت عنه في تاريخ الحركة الوطنية التونسية

د.سالم لبيض·

سبع عشرة سنة مرّت على وفاة المناضل العابد بوحافة، حفّ بها صمت الساسة والمؤرخين مما يخفي مسكوتا عنه في تجربة رجل يضاهي فعله السياسي والنضالي فعل قادة ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس. فتجربة "العابد بوحاقة" على درجة كبرى من الأهمية وذلك بسبب عمقها وثرائها وأخذها أبعادا عالمية متجاوزة البعدين المحلي والوطني.

العابد بوحافة هو سليل أسرة متميزة وطنيا ونضاليا، ذلك أن والده الجيلاني بوحافة الذي بالرغم من اشتغاله في الإدارة الفرنسية في سلك الخلفوات بعد أن غادر سلك "عدول الإشهاد" فإن وظيفته ضمن مؤسسات الدولة الاستعمارية لم تؤثر أو تدخل الارتباك على خلفيته الوطنية وفي موقفه الوطني الذي أعلنه في رسالته الشهيرة إلى رئيس الجمهورية الفرنسية "فاسان أريول" على اثر أحداث تازركة في سنة 1952 ، تلك الأحداث التي عرفت ممارسات وصفت بالفظائع والتي قرر على إثرها إرجاع وسام "جوقة الشرف الفرنسي". جاء في تلك الرسالة التي نشرتها الصحف الفرنسية الكبرى وخاصة جريدة "لومند" ما يلي : "السيد رئيس الجمهورية الفرنسية قصر الإلزيه باريس ، فرنسا ، في الوقت الذي تجثم فيه الفرقة الأجنبية على صدر الشعب التونسي المناضل من أجل استرجاع حقوقه في الشرف والحرية ، فتستحي النساء في الوطن القبلي وتذبّح الرضع في تازركة وتفجر مساجد المعمورة وتدنس ديانتنا فتدوس الكتب المقدسة من قبل مئات ملايين المسلمين . يشرفني ويؤسفني في آن واحد أن أعيد إليكم مغلفا تضمن شارة وشهادة وسام جوقة الشرف الذي منحتني إياه الحكومة الفرنسية يوم 6 جوان 1923 لدوري في حرب 1914-1918 وخدماتي الإدارية. لا بد إنكم تتفقون معي سيدي الرئيس على أنه يصعب علي أن أوشح صدري بوسام يضعه مدنسو مساجدنا وأضرحتنا ، وشرف نسائنا وبناتنا . كنت من الذين يحسبون أن مثل تلك الانتهاكات قد ولت مع عهود غابرة ، خاصة وأن فرنسا قد صوتت لدستور 1946 الذي تتولون حمايته ووقعت على إعلان حقوق الإنسان . وقد كان علي للأسف التأكيد على أن مثل تلك التصرفات يجب أن لا تصدر عمّن يزعمون تمثيل فرنسا في بلادنا المنكوبة فهم بذلك يكتبون الصفحة الأكثر دموية في تاريخها والأكثر خزيا في حوليات الحماية . إن اعتقادي كمسلم وعاطفتي كأب يحولان دون تقبل فكرة أن مثل تلك الممارسات يمكن أن تمر دون عقوبة في فرنسا الديمقراطية ويمليان علي واجب الشرف في أن أعيد إلى ديوان وسام الشرف بالقنصلية وساما لم يعد له مضمون ولا دلالة . تقبلوا سيدي الرئيس فائق الاحترام- الجيلاني بوحافة- كاهية متقاعد جرجيس تونس".

لم يكن ذلك الموقف هو الأول فقط وإنما كان موقفا فريدا حيث لم يسبق "الجيلاني بوحافة" أحد إلى مثل ذلك. فهو ليس الوحيد الذي جوزي نتيجة الخدمات التي أدّاها وهو في صفوف الجيش الفرنسي أو لفائدة الإدارة الاستعمارية. ولكنه الوحيد الذي رأى أنه لا يجب أن يوشّح صدره بمثل تلك الأوسمة، والهام في كل ذلك أن "الجيلاني بوحافة" الذي تلقى تعليما تقليديا راوح بين المدرسة الفرنكو- عربية بجرجيس وجامع الزيتونة مثل أترابه لينتهي عدل إشهاد قبل أن يلتحق بموظفي الإدارة الاستعمارية الفرنسية في خطة كاهية، الهام أنه اكتسب دراية سياسية بحقائق الأمور فهو يعلم أن الدولة الحامية قد صوت مواطنوها سنة 1946 لدستور ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بما فيه المحكوم في الدولة المحمية وأن رئيس الدولة الحامية الموجهة له هذه الرسالة هو في نفس الوقت رئيس الدولة المحمية وهو حافظ الدستور أو من المفترض أن يكون كذلك وأن بلاده كانت وقعت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما كان يدرك أن مثل تلك الممارسات المعتدية على الذات الإنسانية والمدنسة للمعتقدات ولدور العبادة الإسلامية لا تنسجم مع دولة تروج نفسها على أنها ديمقراطية.

ولد "العابد بوحافة" بمدينة جرجيس في شهر أوت من سنة 1913 وأنهى تعليمه الابتدائي بالمدرسة الفرنسية - العربية للذكور بنفس المدينة . أما تعليمه الثانوي فقد باشر جزءا منه بمدينة سوسة والجزء الآخر بمدينة "كان" CAEN الفرنسية التي أحرز فيها على شهادة البكالوريا ليلتحق بعد ذلك بجامعة السربون بباريس التي سيتحصل على الاجازة في اللغة والأداب الانقليزية. ويبدو أن العابد بوحافة قرّر إثر إنهاء دراسته وعودته إلى تونس أن ينحو منحى غير تقليدي . إذ لا تشير الوثائق المتعلقة بتجربته الذاتية إلى أن الرجل اشتغل في مجال تخصصه العلمي، بل إنه اتجه إلى السنما التي لا تزال تمثل مجالا محدودا في الغرب آنذاك ناهيك عن حضورها في تونس المستعمرة. والواقع أننا لا نعرف ردّ فعل عائلته والوسط القبلي الذي ينحدر منه من تلك المهنة وذلك الفن . ولكننا نعرف موقف الازدراء الذي تعرض له بعض المشتغلين بهذا الميدان من قبل ذويهم أولا ومحيطهم ثانيا عند انخرطهم في هذا السلك الذي يبدو غريبا عن المجتمع المحلي العكاري بعد ثلاثة أرباع القرن من التحاق "العابد بوحافة" به ويتعلق الأمر بكل من "محمد الزرن" و"الفيتوري بلهيبة" المخرجين السينمائيين اللذين تخرجا من المدارس السينمائية الفرنسية وقبل أن يحققا الشهرة والنجاح المطلوب .

لا شك في أن "العابد بوحافة" ذي التكوين العلمي الغربي الغالب لم يكن يهتم بموقف الآخرين من هذا التوجه الذي يبدو شاذا لديهم بينما هو فريد لديه. فهو المتعلم في المؤسسات التعليمية الفرنسية وهو المطلع على حداثة الفكر الغربي لا سيما في مجال اللغة والآداب الأنقليزية مما جعله يدرك أهمية السنما كفن جديد بدأ يحتل موقعا متميزا ضمن الفنون في أوروبا وأمريكا . فهو لم يجد حرجا في الإنخراط في هذا الفن وآمتهانه لكن إدراكه غرابة هذه المهنة في مجتمعه جعله يستخدم اسما مستعارا حتى وإن إتخذ ذريعة للتقليل من أهمية دوره الوطني من قبل الأمين العام للحزب الدستوري الجديد الأستاذ "صالح بن يوسف" الذي صرح للصحافة الاستعمارية سنة 1946 بأن "السيد بوحافة" هو ممثل سينمائي معروف بإسم شكري باي ولا يمثل الحزب وهو حر بأن يناضل من أجل بلده. لقد تخللت التجربة السينمائية "للعابد بوحافة" مجموعة من المغامرات وكان ذلك مع مطلع الحرب العالمية الثانية . فقد شهدت تلك الفترة وجوده بمدينة مرسيليا الفرنسية لتصوير شريط سينمائي يحمل عنوان المصير ولكن تعطل التصوير بسبب ظروف الحرب جعله ينخرط في تجربة العمل الصحفي بالإنضمام إلى جريدة اشتراكية فرنسية تسمى(Le mot D ordre) . وآستمر ذلك الوضع إلى سنة 1942 أي إلى أن دعي للتمثيل في شريط بوليسي تحول بموجبه إلى الجزائر للمشاركة في تصوير مشاهده الخارجية في بلدة بشار . لكن الادارة العسكرية الاستعمارية بالجزائر ألقت عليه القبض بتهمة الاتصال بضباط أمريكيين وحوكم بالسجن . وبعد إطلاق سراحه ألقي عليه القبض مرة أخرى بمدينة تلمسان لنفس الأسباب إلى أن قررت السلطة الاستعمارية إبعاده من الجزائر نهائيا فعاد إلى تونس سنة 1943. ويبدو من خلال تلك الأحداث أن "العابد بوحافة" لم يشتغل فعليا بالسنما وإنما هي محاولات قام بها في هذا المجال انتهت إلى الفشل نتيجة أسباب قد تكون خارجة عن نطاقه. وقد كانت مهنته الحقيقية هي العمل الصحفي الذي تولاه بعدّة صحف عربية وأمريكية، فكان مراسل صحيفة "المصري" لمدة ثمانية سنوات حتى أن جمعية الصحافيين المصريين منحته جائزة الملك فاروق الأولى سنة 1949 تثمينا منها لمقالاته حول العلاقات الدولية. كما أن كتابته بآنتظام في "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" حول مختلف القضايا العربية والمغاربية تبرر حصوله على تلك الجائزة وتشهد على كفاءته الصحفية وبسبب ذلك انتخب نائبا لرئيس جمعية الصحافيين المراسلين بالأمم المتحدة وهو ما مكنه من أن يحضر الاجتماع العام للمنظمة الأممية بباريس سنة 1951 . ولكن كل ذلك لم يشفع للسيد بوحافة لكي يعترف بمصداقية أعماله ونشاطاته الصحفية وحتى الوطنية من قبل رموز الدولة الناشئة في تونس . فقد أشار إلى أنه قوبل يوم 8 أوت 1958 على إثر عودته من منفاه الذي استمر أربع عشرة سنة، باعتراف بجميله بطريقة خاصة، وذلك عندما أبلغه عون الشرطة السرية الذي كان في انتظاره بانه يحمل قرارا من وزير الداخلية يمنعه من ممارسة أي نشاط سياسي. كما أبلغ في كتابة الدولة للإعلام بأن السيد كاتب الدولة يمنعه من ممارسة أي نشاط صحفي ويرفض منحه "بطاقة صحفي" وهو ما أهله لأن يكون في حالة بطالة كاملة على حد قوله "إقتضى تأمين قوته ومصاريف دراسة أبنائه من قبل بعض أصدقائه العرب ومن ثمّ صمته الكامل طيلة 30 سنة على الرغم من حاجة "بورقيبة" إليه في حفل الاستقبال الرسمي الذي أقيم على شرف الرئيس التركي حيث وصفه "بأنه صديق لم يناضل فقط من أجل استقلال تونس وإنما ناضل أيضا من أجل الجزائر والمغرب". ولكن ذلك الاعتراف لم يعد "للعابد بوحافة" اعتباره ذلك أنه بقي مهمشا حتى سنة 1985 حيث منحه الملك المغربي "الوسام العلوي" للدور الذي قام به في الحركة الوطنية المغربية وفي استقلال المغرب العربي، ليوسم بعد ذلك بست سنوات أي سنة 1991 بوسام الاستقلال من قبل رئيس الدولة في تونس بعدما كتب رسالته الشهيرة سنة 1988 في 53 صفحة وعنوانها Quelques Pages Noires du Mouvement Nationaliste Neo-Destourien Document soumis a L’Honorable Zine El Abeddine Ben Ali .

لقد كان لتجربة "العابد بوحافة" النضالية عدة مستويات وقد شهدت تطورا ملحوظا . بدأت تلك التجربة بإنشاء أو المساهمة الفاعلة في إنشاء الحركة المنصفية التي كانت تطالب بإرجاع "المنصف باي" إلى العرش الحسيني بتونس بعد أن خلعه قائد القوات الفرنسية بشمال إفريقيا الجنرال "بيرو" بتهمة التعاون مع قوات المحور . وتمكّن "العابد بوحافة" من تنظيم وقيادة مظاهرة سلمية في شهر أفريل من سنة 1945 للمطالبة بإعادة "المنصف باي" . وواصل دفاعه على نفس القضية بفرنسا بعد تحوله إليها سنة 1946 وقد تمكن من زيارته في منفاه بمدينة "بو" الفرنسية. لينشر بعد ذلك تحقيقا مصورا حول وضع الباي المخلوع في مجلة فرنسية تسمى 3 على 4 وذلك باسم مستعار . و باسم مستعار آخر قام "العابد بوحافة" بنشر الكتاب الأبيض المتعلق بقضية "المنصف باي" صحبة صديقه "محمد بدرة" ليقوم بتوزيعه على مختلف السفارات الأجنبية بباريس وعلى مختلف الأوساط الحكومية والبرلمانية . وقد لقي ذلك العمل نجاحا كبيرا خاصة وأنه كان مدعوما من قبل العائلة الحسينية ومن شخصيات سياسية هامة. وبعد ذلك انتقل "العابد بوحافة" إلى الولايات المتحدة وتحديدا إلى مدينة نيويورك التي ستعرف الفعل السياسي الأقوى والأكثر نجاعة في الدفاع عن مختلف القضايا التي آمن بها الرجل مستغلا معرفته بالعمل الصحفي وممارسته له ومعرفته باللغة الانقليزية وآدابها .

بدأت أولى تجاربه هناك في الدفاع عن المسألة التونسية مع زيارة "بورقيبة" الأولى إلى الولايات المتحدة في سنة 1947 ليمهد له السبيل حتى يلتقي بالمجتمع السياسي والإعلامي الأمريكي وبالفاعلين في الأمم المتحدة ليشرح وجهة نظره حول القضية التي قدم من أجلها. ونظرا لذلك الدور الذي بدأ يتميز به "العابد بوحافة" في الدفاع عن القضية التونسية آنذاك وكذلك مختلف قضايا المغرب العربي الذي بات الناطق الرسمي باسم لجنة تحريره التي تشكلت في القاهرة سنة 1947 ممثلا فيها كافة الأحزاب المغاربية رغم إنسحاب بورقيبة لاحقا وإعادة تشكيلها مع بداية الخمسينات ، نظرا لكل ذلك كتب إليه "الحبيب شلبي" مدير الحزب الحر الدستوري التونسي القديم رسالة مؤرخة في 2 أفريل 1948 جاء فيها : "...فإني رأيت من واجبي أن أكاتبكم وربط الصلة معكم لأقدم لك الشكر الجزيل والثناء الذي أنت به جدير على أعمالك المجيدة المبرورة التي تقوم بها في أمريكا لفائدة القضية التونسية وقضية المغرب العربي باسم اللجنة التنفيذية للحزب الدستوري أقدم لك خالص الشكر والممنونية على أعمالكم تلك . وإني بصفتي الآن المدير لأعمال الحزب أرغب منكم أن تراسلوني باستمرار وتعرفوني بنشاطكم ونشاط لجنة تحرير شمال إفريقيا التي ترأسونها وبأسماء أعضائها وتقرير مفصل عن الأعمال التي قامت بها لننشر كل ذلك في جريدة الحزب "الارادة" ونشيد بفضلكم الذي يحاول الخصوم طمسه وكفرانه ونعرف الجمهور التونسي بأعمالكم وأعمال لجنتكم التي أشاد بذكرها "عزام باشا" وكان لها صدى طيب في أوساط الجامعة العربية. ولعل تلك الرسالة تعكس العلاقة الطيبة التي كانت تربط "العابد بوحافة" بجماعة الحزب القديم واستعدادهم للتعاون معه والصورة الايجابية التي بقي يحملها عن حزبهم حتى أنه طلب في إحدى رسائله إلى "بورقيبة" مؤرخة في 22 جوان 1950 ، طلب منه النظر في امكانية التعاون مع الحزب القديم ولكن "بورقيبة" في رسالته الشهيرة المؤرخة في 5 جويلية 1950 إلى "العابد بوحافة" أطلق تسمية القدامى على الحزب القديم وأشار إلى "أنك تعتقد أنهم يشكلون حزبا مكافحا لتحقيق الهدف نفسه وهو الاستقلال وأنهم أكثر تصلبا من حزبنا . وفي الحقيقة إن الأمر ليس كذلك فمنذ أمد انحصر هذا الحزب في كمشة من ذوي الحسد والبغضاء فقدوا إكبار الجماهير الشعبية وتأييدها واقتصر نشاطهم على اتخاذ مواقف يتبجحون بها أمام الناس وذلك لغاية واحدة يسعون إليها وهي عرقلة مساعينا والعمل على إحباطها ولذلك فإن الدعوة إلى وحدة العمل معهم سواء جهرا أو سرا هي بمثابة تشييد على فراغ". وأعد "العابد بوحافة" زيارة بورقيبة الثانية إلى الولايات المتحدة سنة 1951 والتي من المفترض أن يلقي فيها كلمة في مؤتمر اتحاد النقابات الأمريكية في سان فرنسيسكو والتي نشب على أثرها خلاف عميق بينه وبين "بورقيبة" الذي استغل تلك الحادثة لتهميش "العابد" وإخراجه من دائرة الفعل السياسي خاصة بعد عودته إلى تونس سنة 1958. ورغم ذلك الخلاف الذي سنتعرض له لاحقا فإن "بوحافة" لم يبخل في تقديم الخدمات الضرورية لقادة حزب الدستور الجديد أثناء انعقاد مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس سنة 1951 والتي حضرها بوصفه صحفيا معتمدا لدى المنظمة الأممية. كما سهل مهمة الوفد الوزاري التونسي المكلف بعرض الشكوى التونسية على مجلس الأمن على اثر الرسالة التي وجهها وزير خارجية فرنسا دوبار شومان في 15 ديسمبر 1951 إلى رئيس الحكومة محمد شفيق. وساهم "العابد" في التنديد بالموقف الفرنسي على اثر اندلاع الأحداث الناتجة عن تلك المذكرة وإقالة حكومة شنيق وهروب بعض أعضائها مثل "صالح بن يوسف" إلى خارج البلاد وخاصة على إثر الأحداث التي اندلعت في مختلف مناطق البلاد بعد 18 جانفي 1952 . وتشير الرسالة التي وجهها إليه "بورقيبة" في 5 جويلية 1950 إلى أنه من دعاة العمل المسلح ضد الإدارة العسكرية الاستعمارية حتى أن بورقيبة دعاه إلى المساعدة على توفير الأموال اللازمة لشراء الأسلحة على ما في ذلك الموقف التباس. ونظرا لأهمية الجانب السياسي باعتبار أن حركة المقاومة عديمة الجدوى في ظل غياب ذلك المستوى فقد طلب "بورقيبة" من "بو حافة" أن يتصل بالمسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية لإحاطتهم علما بالتطورات التي يمكن أن تحدث إذا دخلت روسيا على الجبهة عن طريق الشيوعيين وطلب منه أن تضغط الولايات المتحدة على فرنسا.

لقد كان "محي الدين القليبي" أشاد في رسالة حاملة لتاريخ 13/12/1948 بموقف "العابد بوحافة" ودوره في نصرة قضايا المغرب العربي بالأمم المتحدة وقد جاء في تلك الرسالة " فقد جمعتني محاض الصدف الرجل العظيم الأستاذ جورج خير الله صاحب حملة "العالم العربي" الذي كان بأمريكا وزار الشرق وأخيرا طاف بشمال إفريقيا ومجرد ما قدمني إليه الأستاذ محمد علي طاهر عرف أنني من تونس سألني عنك وهل لي بك علاقة فقلت له نعم هو كان بي بار وأخ كريم فأخذ يثني عليك ويكبر جهادك وتضحياتك وانقطاعك لصالح بلدك مما رفع راسي في ذلك الجمع العظيم وكنت قبل اليوم سمعت مثل هذا من رجال المكتب العربي بنيويورك وإني أهنيك بهذه الثقة وهذه المكانة التي أحرزتها وأصيك بالمحافظة عليها. كما أشاد بذلك الدور "للعابد بوحافة" الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عزام باشا في رسالة إلى "الحبيب بورقيبة" نشرتها جريدة الصباح في عددها المؤرخ في 4 مارس 1954 جاء فيها " اني لاغتنم هذه المناسبة لأحيطك علما بفعل وإخلاص الأستاذ العابد بوحافة في هذه الأيام العصبية. فقد كان لنشاطه ودأبه وسعيه وخبرته بالأجانب اثر كبير في رفع صوت تونس المجاهدة و قد أحببت أن أعلمك بذلك حتى تكون على بينة من حقيقته". لقد كان "بورقيبة" على بينة من الدور المهم الذي يلعبه "العابد بوحافة" والوزن الذي بدأ يكتسبه شيئا فشيئا وهو ما سيفسر طبيعة العلاقة بين الاثنين.

اما بالنسبة "للعابد بوحافة" فالمسألة جد مختلفة، فهو لم يكن مجرد عضو بسيط في الحزب الدستوري الجديد يأتمر بأوامر قيادته المجسدة في رئيس الحزب "بورقيبة" و كاتبه العام "صالح بن يوسف" وإنما كانت للرجل خصاله السياسة و موافقة التي ترتقي به إلى مرتبة أولئك الزعماء أنفسهم . ينعكس ذلك من خلال تصريح "صالح بن يوسف" عندما سألته الصحافة الاستعمارية حول "العابد بوحافة" فأجاب "السيد بوحافة هو ممثل سينمائي معروف بإسم شكري باي فهو لا يمثل الحزب وهو حر في النضال من أجل بلده". و حول مدى صحة ترأس "العابد بوحافة" للنضالات الفرنكو– تونسية فيما يتعلق بمسألة المنصف باي سئل "بورقيبة" من قبل جريدةTunis soir في عددها الصادر يوم 18 جانفي 1946 وفي رد لا يخلو من غيض وإزدراء أجاب بـ "لا ، أقدر بان هذا الخبر خاطئ وإذا كان ذلك صحيحا فانا أول من يعلم بذلك قبل هذا البوحافة". إذن كانت قضية "المنصف باي" والنضال من اجل إرجاعه إلى العرش هي مدخل الاختلاف بين "بورقيبة" و"بن يوسف" من جهة و"بوحافة" من جهة ثانية. و كما يقول "بوحافة" نفسه فإن العداء الذي يكنه لي الزعيمان التاريخيان للدستور الجديد لا يفسر إلا بذلك العمل الوطني الذي أقوم به والذي فلت من رقابتهما. و هو ما يعكس الرغبة في احتكار العمل الوطني أو قيادته على الأقل .ويمكن تلخيص الاختلاف الذي ارتقى في بعض الأحيان إلى درجة الصراع بين "العابد بوحافة" والزعيمين الدستوريين في النقاط و الوقائع التالية:

- أولى تلك النقاط هي واقعة سان فرانسيسكو ، فأثناء زيارته الثانية إلى الولايات المتحدة سنة 1951 كان من المفروض أن يلقي "بورقيبة" خطابا يوم 20 سبتمبر 1951 في مؤتمر النقابات الأمريكية وقد اسند صياغته إلى "العابد بوحافة" بعد أن حدد له محتواه و ذلك بسبب عدم معرفة "بورقيبة" الانقليزية التي يجيدها "بوحافة". لقد أرسل "بورقيبة" برقية للعابد بوحافة يعلمه بأنه سيأخذ الكلمة أمام المؤتمر يوم الجمعة على الساعة الرابعة. و بموجب ذلك قام "بوحافة" بتوزيع نص الخطاب على و كالات الأنباء وممثلي الصحف. ونظرا لما احتواه ذلك الخطاب من مواقف اعتبرتها فرنسا مسيئة لها واحتجت عليها لدى حكومة الولايات المتحدة ونظرا لنشر جريدة لوموند الفرنسية لنص الخطاب الذي يقول عنه "بوحافة" بأنه لاقى نجاحا شعبيا كبيرا . وخشية لإثاره حفيظة المتطرفين الفرنسيين تبرأ "بورقيبة" في البداية من الخطاب معتبرا أن فرحات حشاد هو المعني بالحديث في ذلك المؤتمر. ثم صرح لجريدة لوموند معتبرا أن تلك الحركة ذات خلفية عدائية. صحيح أن ذلك الموقف أثار حفيظة المقيم العام وجعله يحتج على الباي ويقوم بتوبيخه حسب رواية "صالح بن يوسف" التي رواها "للعابد بوحافة" في حفل عشاء بنزل الماجستيك بتونس بعد ذلك بأيام قليلة. لكن "بورقيبة" كان يعرف أن تلك الحركة التي إعتبرها عدائية لم يكن مصدرها "بوحافة" وإنما هو "بورقيبة" نفسه رغم أنه صرح للصحافة الفرنسية بأن كاتب ذلك الخطاب هو "بوحافة" وليس "بورقيبة". و المفارقة في كل ذلك أن بورقيبة إستمر يصدق أقواله طيلة الثلاثين سنة من حكمه وكان دائما في محاضراته و خطبة يلقي باللوم على "العابد بو حافة" رغم أن بورقيبة يدرك أنه هو من كان وراء ذلك الخطاب.

- ثاني تلك المواقف هو إقدام جريدة ليفغارو الفرنسية على نشر رسالة "بورقيبة" "للعابد بوحافة" في عددها الصادر في 7 أفريل 1952 ،وقد اتهم كل من "بن يوسف" و"بورقيبة" "العابد بوحافة" بأنه هو من سلم تلك الرسالة الى جريدة الفيغارو . لقد احتوت تلك الرسالة الفقرة التالية ، "ذلك أنني مقتنع بان منظمة الأمم المتحدة لن تنظر جديا في القضية التونسية الا في صورة حدوث قلاقل خطيرة بتونس ومن المستحيل أن تنظر في القضية التونسية في جو هادي. لذلك اتصلت في الآن ببعض الشخصيات فيما يخص هذه المشكلة السياسية أي مشكلة الأسلحة ، تكون في البداية أسلحة خفيفة لشن حرب عصابات وانجاز أعمال التخريب والقضاء على الخونة وقد تم إحكام اقرار منظمة سرية إلى جانب الحزب وخارجة عنه وأدق نقطة في هذا الصدد هي مسألة المال. وأنا أحاول ضبط المبلغ اللازم لشحنة أولى على الأقل. وسيكون حوالي 300 مليون فرك بما في ذلك زورق سريع ذو محرك وحمولة قدرها طنان وهذه سواحل قرقنة وجربة صالحة تماما كل الصلوحية لإنزال الأسلحة ولدينا هنالك رياس مجربين وذوو خبرة واسعة، ثم تنقل الأسلحة من بعد ذلك وتوزع على المستودعات السرية عندما تدق الساعة. لكن مشكلة الأموال باقية على حالها ولئن لم يمكن لنا جمعها بتونس الخ..".

لقد رد "العابد بوحافة" على تلك الاتهامات برفع قضية ضد الجريدة التي نشرت مسائل تتعلق بشأن خاص تمثل في الإطلاع على رسائل شخصية ، وحكمت المحاكم الفرنسية لصالحه. لكن "بوحافة" يشير في تقريره إلى أن "بورقيبة" لعب دورا في إقناع محامي "العابد بوحافة" بالعدول عن الدفاع في تلك القضية ، ولما فشل اتجه إلى الشهود لإقناعهم بعدم الإدلاء بشهاداتهم ولكنه فشل مرة أخرى. كل تلك المواقف تضع "بورقيبة" موضع شك خاصة وأن المضامين المتعلقة ببعث حركة مقاومة وتسليحها والحديث عن التسليح بتلك الدقة والتفصيل في رسالة مكتوبة هي عرضة للسقوط في يد الاستخبارات العسكرية الاستعمارية الفرنسية ، تعكس نية مبيتة في الإيقاع بـ"العابد بوحافة" . وقد يتأكد ذلك إذا أخذنا في عين الاعتبار كل تلك المستويات من الصراع بين "بوحافة" من ناحية والقادة الدستوريين من ناحية أخرى ، التي يضاف اليها إدانة "بوحافة" زيارة الوفد التونسي إلى الأمم المتحدة المكون من "صالح بن يوسف" و"محمد بدرة" و "الباهي الأدغم" للمندوب الصهيوني بالمنظمة الدولية سنة 1952 ، ورفضه كذلك تصريح "صالح بن يوسف" للصحافة الدولية من أنه لا يرى مانعا من انضمام تونس إلى الحلف الأطلسي بعد استقلالها .وقد اعتبر"بوحافة" أن ذلك من مشمولات الشعب التونسي ولا يحق لأي كان مصادرته . لقد بعث "بوحافة" برسالتين إلى "بورقيبة" على اثر خطاب "منداس فرانس" في 3 جويلية 1954 وذلك في 7 و10 أوت 1954 يهنئه بالاعتراف بالاستقلال الداخلي ويشكو من تصرفات "صالح بن يوسف". رد عليه "بورقيبة" في رسالته المؤرخة في أول سبتمبر 1954 جاء فيها: " أن ما وجدته من متعة في قراءة رسالتيك بعد أربع سنوات من الانقطاع قد أفسدته أحكامك الشائنة على صالح بن يوسف رفيق الكفاح طيلة 20 سنة و هورجل ازعم أني اعرفه أكثر منك واعتبر أنه كان دوما في مستوى المسؤوليات الجسام التي يتحملها منذ 17 سنة على رأس الحزب . ولا مراء أن "سي صالح" له عيوبه كسائر الناس . فهو حاد الطبع عنيد أحيانا بل قاس إزاء بعض الرفاق في الديوان السياسي لكن لم يغتظ إلى حد الآن من ذلك أي احد إلى درجة اعتباره عدوا شخصيا". و بعد سنة واحدة من ذلك التاريخ نشب خلاف اللاعودة بين "برقيبة"و"بن يوسف" و انتهى بتصفية هذا الأخير في ألمانيا سنة 1961 ، أما "العابد بوحافة" فالبرغم من تأييده لبورقيبة ولآتفاقيات الاستقلال الداخلي والاستقلال التام فقد حرم طيلة فترة الحكم البورقيبي من حقه في العمل لاسيما النشاط السياسي والصحفي .

وعلى الرغم من الدور الذي لعبه العابد بوحافة في التعريف بالقضايا العربية فإن القضية الفلسطينية لم تأخذ موقعا مهما في نشاطه السياسي، إلا في حدود رفض المقابلة بين كل من "صالح بن يوسف" و"محمد بدرة" و"الباهي لدغم" مع السفير الإسرائيلي بالأمم المتحدة، مع أنه يعلن إعتزازه بهويته العربية وبعقيدته الإسلامية وبالمواطنة التونسية. بينما كانت قضايا المغرب العربي وخاصة تونس والجزائر والمغرب هي الأكثر حضورا في وعي "العابد بوحافة" فهو المكلف من قبل "مصالي الحاج" للدفاع عن القضية الجزائرية بالأمم المتحدة وبالولايات المتحدة . كما كان ممثلا لجبهة التحرير الجزائرية في نفس المكان بعد أن كلفه "محمد خضير" أحد زعماء تلك الجبهة بذلك. وقد لعب عدة ادوار في الدفاع عن تلك القضية بالإضافة إلى العمل على عرضها أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن بتنسيق مع المملكة العربية السعودية وجامعة الدول العربية. إحتج "العابد بوحافة" عدة مرات لدى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على استخدام فرنسا لطائرات الهيلكوبتر ذات الصنع الأمريكي في مطاردة الثوار في المغرب العربي في حين أن تلك الحكومة كانت تصرح بأنها ستستفيد منها فقط في نقل الجرحى من جنودها. إن "العابد بوحافة" بالإضافة لكل ذلك هو كاتب وموزع كتابين هامين حول القضية الجزائرية ، الأول هو "شواهد موثقة حول نورمبرغ جزائرية" صدر في 16 أكتوبر 1956 والثاني هو "التطهير العرقي والتعذيب في الجزائر" نشر في 17 ماي 1957. أما فيما يتعلق بالقضية المغربية فقد عينه "عبد الكريم الخطابي" رئيس لجنة تحرير المغرب العربي نائبا عنه لدى حكومة الولايات المتحدة وأرسل برسالة إلى وزير الشؤون الخارجية الأمريكية في 16 جانفي 1949 جاء فيها "لتنوير قضيتنا لشعب الولايات المتحدة ثم كافة شعوب العالم الحر وسياسييه أوفدنا الأستاذ "العابد بوحافة" الذي يحمل إلى معاليكم كتابنا هذا والذي نرجو أن يجد من عنايتكم وعناية كافة المسؤولين في الولايات المتحدة ما يهيء له وييسر أسباب الدعاية للقضية التي أوفدناه من اجلها ولكل ما يعهد له من الأعمال". كما كلفه "أحمد بلفريج" الأمين العام لحزب الاستقلال المغربي بتقديم رسالة إلى منظمة الامم المتحدة للمطالبة باستقلال المملكة المغربية . ويعكس ذلك ثراء تلك ثراء تلك التجربة ونجاعتها في التعريف بقضايا المغرب العربي بعد أن بات الرجل من أكبر المؤمنين بها.

إن هذه الورقة لا تستطيع أن تأتي على كامل تجربة الرجل فالأرشيفات الصحفية وملفات الاستخبارات الفرنسية وغيرها تحتوي على آلاف التقارير والصفحات حول تجربة سياسية وصحافية ونضالية هي جديرة بأن تكون موضوع أطروحات وندوات علمية بأكملها. وهو جدير بأن يطلق اسمه على مواقع محتلفة في موطنه جرجيس أو في غيرها من المدن التونسية والمغاربية.



· توفي العابد بوحافة يوم 6 سبتمبر 1992

· أستاذ محاضر في علم الاجتماع المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

السبت، 4 أبريل 2009

مدرستنا ليست مخبر تجارب مقال منشور في جريدة الوطن بتاريخ 20 - 2 - 2009

مدرستنا ليست مخبر تجارب

د.سالم لبيض
أستاذ محاضر في علم الاجتماع

إن الإشكال لا يكمن في إلغاء ما بات يعرف بامتحان الرابعة "الكاتريام" ما دامت سلطة الإشراف التربوي قد ارتأت ذلك وهي التي لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها! فذلك حق قد عاد إلى أصحابه. وإنما يكمن في كيفية اتخاذ مثل ذلك القرار والهدف من ورائه ومكانته ضمن السياسة التربوية وانعكاساته على أبنائنا. لا شك في أن اتخاذ قرار إحداث ذلك الامتحان التقويمي الذي أعلن عنه رئيس الدولة منذ سنتين في يوم المؤسسة والذي بات معلوما في كافة تفاصيله لدى الأوساط التربوية مربين وأولياء، ثم اتخاذ قرار إلغائه هذه السنة من طرف وزير التربية والتكوين، إنما هو حجّة على مهندسي السياسة التربوية ببلادنا وليس حجّة لهم. ويبدو أن قرارا مصيريا مؤثرا بهذه الكيفية في مستقبل الكثيرين من النشء قد اتخذ دون دراسة وتقويم حقيقي للواقع التربوي لاسيما التعليم الأساسي موضوع التدخل. مما يطرح السؤال بل يجدده حول جدوى المؤسسات التربوية البحثية مع إشارة خاصة إلى المركز الوطني للتجديد البيداغوجي والبحوث التربوية والمعهد الأعلى للتربية والتكوين المستمر، وهما المؤسستان اللتان من المفترض أن تكلّفا باستباق ذلك الحدث الجلل الذي نزل صاعقا على الأولياء مما اضطرّ السلطة السياسية إلى القيام بحملة تحسيسية في مختلف الجهات والأوساط تخفيفا من وطأته وتفاديا لانعكاسات سلبية قد تحدث. ولكن لاشيء يحيل على أن مثل تلك المؤسسات قد لعبت دورا. كما أن لاشيء يشير إلى أن سلطة الإشراف التربوي تعتمد مرجعية لها أهل الذكر من مختصين وباحثين في علوم التربية وعلمي الاجتماع والنفس التربويين، تزخر الجامعة التونسية بهم وتؤثث المكتبات رفوفها ببحوثهم ورسائلهم. ولا شيء يدل على أن سلطة الإشراف قد اتخذت قرارها بعد الرجوع إلى تلك الشريحة الفاضلة من المربين المشتغلين بالتعليم الأساسي التي لولاه لما تمكّن أحد منا من خطّ حرف واحد ناهيك عن المراتب العلمية والمهنية العليا التي بلغها بعضنا. كان على سلطة الإشراف التربوي أن تعتمد تلك القاعدة البسيطة الغنية بالدلالة "أهل مكة أدرى بشعابها". كان عليها أن تستشير الباحثين في الاختصاصات التربوية المختلفة، والمربين رجال الميدان سادة فصولهم من ذوي الخبرة والدراية الواسعة بمجال عملهم وبما طرأ ويطرأ من تغيير على المدرسة وأجيالها المتعاقبة. ولو أن مهندسي السياسة التربوية ببلادنا احترموا تلك القاعدة البسيطة لوفروا على أنفسهم الجهد المضني في الإقناع بجدوى ذلك الامتحان، وما أنفقوه عليه من أموال دافعي الضرائب، ولحافظوا وهو الأهم على شيء من مصداقية النظام التربوي الذي بات يشهد التغيير تلو الآخر، كثيرا ما يكون مرتبطا بأشخاص من هم في هرم المؤسسة التربوية تخليدا لأسمائهم، والأمثلة كثيرة "مشروع المسعدي، مشروع مزالي، مشروع بن ضياء، مشروع الشرفي ...". لو أن سلطة الإشراف التربوي استعانت بأهل الذكر الحقيقيين لفهمت دون ضريبة تدفع من وقت التلاميذ، أو من مال أوليائهم لتوفير أسباب النجاح، أو بسبب تهافت بعض "المقاولين التربويين" الذين استفادوا من ذلك الوضع الذي خلقه الامتحان الجديد، أن الطفل في سن العشر سنوات لا يمكن أن يكون قابلا للاختبار بتلك الطريقة، ليس لأن عوده لم يشتدّ بعد بما يمكنه من إجراء مثل ذلك الاختبار فحسب، وإنما كذلك بسبب ذلك الاعتداء على طفولته التي من المفترض أن تتحقق كاملة بعيدا عن كل ارتجاج نفسي قد تكون له انعكاسات على شخصيته مما لا يحمد عقباه. لقد أدركت كثير من المجتمعات المعاصرة لنا المتضلّعة في المجال التربوي والتي نقتدي بها في أحيان كثيرة، تلك القاعدة التربوية بأن "التعلم في الصغر كالنقش على الحجر" ولكنها كانت تردفها دائما بالقاعدة الثانية "علّم الصبيان وهم يلعبون". إن التعليم ضروري للأطفال ضرورة الحياة نفسها، ولكنه لا بد أن يكون عامل نمو وليس عنصر إعاقة، ولاشك أن امتحان الرابعة "الكاتريام" كان عنصر إعاقة بالنسبة إلى كثير من الأطفال فهو الذي قد يسبب لهم عاهات مباشرة تنتج عن الرسوب، أو مغادرة مقاعد الدراسة مبكّرا، أو تبقى تلك العاهات كامنة في شخصية الطفل تترصد الوقت المناسب للظهور وكم من أموال ستنفق لمعالجة ما يترتب عن ذلك من "باتالوجيا". وهنا يطرح السؤال ما ذنب أولئك الأطفال الذين كانوا بمثابة "فئران" أجريت عليهم التجربة وهل لابد من ضحية للإقرار بفشل تصور تربوي يحمل منذ البداية أسباب فشله. ناهيك أن ذلك القرار لا يتوفر على أي خلفية قانونية بل هو مناقض للقوانين التربوية الصادرة منذ سنة 1991 مرورا بإصلاح 2002 وصولا إلى تحوير ذلك في 2008، وهي التي تضمن للطفل الحق في التعلم المجاني حتى سن السادسة عشر، بل وتعاقب الولي الذي ينقطع ابنه دون تلك السن. فما بال سلطة الإشراف تمارس ضد هذا الاتجاه التربوي، ومع ذلك يبقى المسئولين دون محاسبة وفي منأى عن أي تتبع قانوني وهم الذين ضحوا بأطفال السنوات الرابعة المنتشرين في ربوع مدارسنا مدة ثلاث سنوات متتالية ليظهروا على المسرح في نهاية المطاف ويهمسوا لأصحاب القرار أن لا جدوى من ذلك. وما هي الحقوق التي من المفترض أنها سلبت ولابد أن ترجع للأطفال وهل أن الصدمة التي تلقتها طفولة بعض الأطفال فأفسدتها بسبب ذلك الامتحان قابلة للإصلاح أصلا ؟
إن الصدمة الكبيرة تتلقاها في واقع الأمر مدرستنا العمومية، مصدر فخرنا واعتزازنا، وبسبب مثل تلك السياسات تصبح محلّ تشكيك في جدواها ونجاعتها وهو ما ساعد على انتشار واستفادة "التعليم الطفيلي" الذي يبتزّ الأموال دون أن يوفر تكوينا محترما وآفاقا ممكنة، والهجرة التعليمية وما تسببه من استنزاف لمواردنا من العملة الأجنبية ولعقولنا المفكرة لاحقا، والتعليم الموازي الذي توفره بعض البعثات الدبلوماسية، لاسيما الفرنسية منها، وهو تعليم على درجة عالية من التكوين والنجاعة وهو منافس حقيقي لمدرستنا لكن ميزته الرئيسية هو صنع هوية موازية بل مغايرة تنسجم وخيارات دول ومجتمعات وأوطان تلك البعثات ودياناتهم ولغاتهم، فيتحول البعض من أبنائنا إلى احتياطي إستراتيجي أو إلى طابور خامس لتلك المجتمعات واستراتيجياتها السياسية. لقد آن الأوان للتذكير بأن نهضة مدرستنا من نهضة مجتمعنا وأن التعليم هو الذي يصنع المجتمع، فدرجة تقدم أو تخلف مجتمع ما رهينة بمستوى تعليم أبنائه. كل ذلك يقتضي ضرورة إيقاف النزيف المتأتي من إجراء التجارب تلو التجارب على مدرستنا ونظامنا التربوي، فهي ليست مخبرا للتجارب بأي حال من الأحوال.

الهوية في الخطاب السياسي التونسي : محاولة فهم سوسيولوجي مقال منشور في جريدة الوطن بتاريخ 4 - 5 - 2007


الهوية في الخطاب السياسي التونسي : محاولة فهم سوسيولوجي
د.سالم لبيض
قسم علم الاجتماع
المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس

يقول "كلود ديبار" أحد رموز علم الاجتماع الغربي المعاصر إن "الهوية ليست معطاة ولكنها تبنى"، ولكن بناء الهوية ليس أمرا يخضع لهوى الأفراد وبالتالي يسهل قياس وتفصيل الهويات بما ينسجم مع المصالح الخاصة للأفراد والجماعات . إن الهوية كما نعتمدها في هذا المقال تستند إلى مقولة سوسيولوجية هامة "هي الحس المشترك" بالنسبة لأفراد المجتمع الواحد ومن ثمة لابد من البحث عن مكونات ذلك الحس نظرا أن الهويات التي تبنى اليوم على أساس مهني أو عرقي أو على أساس العادات والتقاليد واللهجات التي تميز المجموعات محدودة وجزئية وليست مجتمعية . لقد تبين من خلال البحث أن الحس المشترك في "الهوية التونسية" أو كما يختزلها الخطاب السياسي هو اللغة والدين . لقد استندنا إلى ما قاله السوسيولوجي الفرنسي العلامة جاك بارك حول اللغة العربية من أن" إن الشرق هو موطن" وأن " اللغة العربية لا تكاد تنتمي إلى عالم الإنسان ، إذ يبدو أنها بالأحرى معارة له ... إن فضيلة الكلمة مستمدة من شكلها وصوتها وإيقاعها أكثر مما هي مستمدة من نوع تطابقها مع حقائق الحياة اليومية" ومما قاله المؤرخ "عبد العزيز الدوري"حول الإسلام " فهو دين الغالبية العظمى من العرب وهو الذي وحدهم وحملهم رسالة وأعطاهم قاعدة فكرية وأيديولوجية وبه كونوا دولة ". وفي إرث الهوية في تونس يتناول المقال أثر اللغة العربية والدين الإسلامي في التعبئة ضد الاستعمار الفرنسي خاصة إبان محطات تاريخية كانت الهوية بهذا المعنى عرضة للتشويه من قبل الإدارة الاستعمارية في أحداث الزلاج في 1911 والتجنيس في 1923 والمؤتمر الأفخارستي سنة 1930 .ولم تكن النخب تفهم موضوع الهوية طيلة الفترة الاستعمارية خارج ذلك الإطار حتى أن الشيخ الفاضل بن عاشور خطب في مؤتمر ليلة القدر سنة 1946 قائلا :" من يومئذ انطبعت الروح الشعبية في تونس بطابع مصوغ من مادة الروح الثقافية للجامعة الزيتونية فهي مادة الرابطة القومية الواسعة والحرص على الالتزام مع الأمم الإسلامية الشرقية وخاصة الأمة العربية فاصبح الإتجاهان السياسي والثقافي يسيران على خطة واحدة هي خطة طلب الذاتية القومية التونسية ومقوماتها في الاندماج في العالم العربي وأصبحت الجامعة العربية باعتبار ناحيتها الثقافية والسياسية الغاية التي يتجه كل عمل فكري واجتماعي في تونس إلى تحقيقها". ولكن الهوية في تونس ستتأثر بالصراعات السياسية التي شهدتها فترة أواسط الخمسينات بين التيارين البورقيبي واليوسفي في الحركة الوطنية وسيكون لانتصار بورقيبة وتوليه مقاليد السلطة كبير الأثر بعد التخلص من المؤسسات الراعية للهوية ومن التشريعات والقوانين الداعمة والقوى الساندة لها وذلك باسم التحديث ولكن الأمر سيتحول إلى موقف من الهوية وقضاياها سينعكس ذلك في المداولات المتعلقة بوضع دستور 1959 حول مكانة اللغة والدين كما سيبرز ذلك في الخطاب السياسي البورقيبي الذي تعامل مع هاتين المسألتين ببرغماتية السياسي المحنك فهو من ناحية حامي حمى الدين والمدافع عن العروبة عندما يزوره أحد رجال السلطة من العرب أو المسلمين وهو في نفس الوقت صاحب المواقف التالية :
- وصف الصلاة بأنها "زقزقة مياه" وإنزال الرأس للأرض ويكون المصلي "يكب ويقعد"
- الدعوة إلى التخلي عن الحج لما ينجر عن ذلك من نزيف للعملة وتعويضه بالحج إلى مقام الصحابي أبي زمعة البلوي بالقيروان
- فتح باب الاجتهاد لكل إنسان له "فكر حر ومادة شخمة" فيقبل من الإسلام ما يراه صالحا ويترك ما لا يراه دون حاجة إلى المعرفة الدينية وإلمام بالنصوص ومصادر التشريع التي تحتل المرتبة الأكثر أهمية من الاجتهاد مثل القرآن والسنة حتى أنه دعا إلى تغيير قانون الإرث في هذا الإطار وقد جاء في قوله " فهل يكون من المنطق في شيء أن ترث الشقيقة نصف ما يرثه شقيقها (...) فعلينا أن نتوخى طريق الاجتهاد في تحليلنا لهذه المسألة وأن نبادر بتطوير الأحكام التشريعية بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع وقد سبق لنا أن حجرنا تعدد الزوجات بالاجتهاد في مفهوم الآية الكريمة ...إلخ".
- التطاول على الأنبياء والرسل مثل النبي إبراهيم بقوله "طلعت البوخارية في رأسه"فنام نوما رأى فيه أحلامه ، والنبي محمد (ص) الذي يعتبر نفسه متفوقا عليه هذا علاوة على اقتران اسمه معه في أناشيد إسلامية .
- التشكيك في القصص القرآني فهو القائل "مثل قصة عصا موسى التي ألقى بها فإذا هي حية تسعى وقد كان الإيمان بأن الحية يمكن أن تخرج من الجماد سائدا في أوروبا أيضا ولكنه انقرض تماما منذ عهد باستور ، ومن هذه الأساطير التي ظلت موضع إيمان الناس في البلاد العربية دهرا قصة أهل الكهف الذين لبثوا رقودا مئات السنين ثم انبعثت فيهم الحياة ".
وعلى الرغم من إقرار الدستور بأن العربية هي اللغة الوحيدة لتونس وأن الإسلام هو الدين الوحيد لها فإنه من الصعب أن تحظى تلك العناصر بالاحترام في ظل نظام سياسي لا يتوانى هرمه على التطاول بل واحتقار دينه ولغته ولعل ذلك ما يبرر المكانة الهامة التي حظيت بها الهوية في نص الميثاق الوطني والمناشير الصادرة حول تعريب الإدارة في فترة ما بعد المرحلة البورقيبية استجابة لمطلب غالبية المجمع المدني والسياسي آنذاك وهي ضرورة مصالحة تونس مع هويتها العربية الإسلامية. وقد تبين أن خطاب جميع القوى السياسية بما فيها التنظيمات الشيوعية التي نشأت في تونس منذ بداية الدولة الاستعمارية إلى اليوم ومن خلال عملية جرد لخطابها المتعلق بالدين واللغة ، تبين أنها سارت نحو التبني الكامل على اختلاف مشاربها الأيديولوجية لعنصري الهوية، أوفي أقصى الحالات لأحد العناصر والقضايا المتصلة به . والهام في كل ما قيل هو أن الدولة وجميع الأحزاب السياسية بقدر ما تقدمت نحو ذلك الاستعمال للهوية فإن أزمة الهوية لا تزال قائمة في هذا البلد بسبب التهميش الذي يمس اللغة بصفة خاصة يبرز ذلك عندما يقدر حجم الإنفاق الهائل الذي يخصص من ميزانية الدولة التي هي من أموال الضرائب التي يؤديها المواطن ، على لغة دولة أجنبية هي الفرنسية في التعليم بمستوياته والإعلام والإدارة والقطاع الخاص . لو قمنا بجرد منذ الاستقلال إلى اليوم سنجد أن ملايير الملايير من الدنانير قد أقطعت لفائدة فرنسا أولا وليس لفائدة الشعب التونسي ولا نعتقد أنه يوجد في العالم اليوم من هو سخي بهذه السذاجة ليمنح أموال شعبه للغة دولة أجنبية باسم الانفتاح والتفتح وإذا كان ذلك صحيحا لماذا لا توضع اللغات الأجنبية الأخرى وهي أكثر أهمية مثل الأنقليزية والصينية على قدر المساواة مع الفرنسية التي هي أشبه بالميتة في مستوى قيمتها الكونية أما إذا كانت الفرنسية جزء من ذاتية هذا الشعب ومن هويته فلتكن لنا الشجاعة على إعلانها لغة وطنية ثانية ومن ثمة تحوير الدستور في هذا الاتجاه وتصبح حمايتها من قبل نخب الستينات والسبعينات الفرنكفونية المتمترسة في أجهزة الدولة علنية وليست خفية . من القضايا المثارة كذلك هي علاقة الهوية بالديموقراطية وحقوق الإنسان ولكن الوصلة ظاهرة فالمتأمل في الديمقراطيات الموجودة في العالم اليوم بمركزه أو محيطه يلاحظ أنها تشتغل بلسان أعجمي سواء كان إنقليزيا أو فرنسيا أو أسبانيا أو إيطاليا في أوروبا ومستعمراتها القديمة أو فارسيا أو تركيا أو حتى عبريا وكرديا في بعض المناطق الأخرى من العالم أما أن تكون ديمقراطية تداولية لسانها عربي فذلك ما لا يكون !!!

لنحذو حذو "France 24" أو التلوث اللغوي في تونس مقال منشور في جريدة الوطن بتاريخ 20 - 4 - 2007

لنحذو حذو "فرنسا France 24 " أو التلوث اللغوي في تونس

سالم لبيض
أستاذ جامعي

لغة عربية أنيقة تحيل على مرجعية جاحظية ، خالية من الأخطاء كتابة ونطقا ، قواعدها مضبوطة تستجيب لجميع شروط الحداثة اللغوية ، دقة في الاستعمال ، لا تستثني مجالا من تدخلها . فهي لغة العلوم الصلبة والإنسانية والقانونية والاقتصادية والطبية والتكنولوجيا ناهيك عن أنها لغة أدب أو هكذا عرفت . فنّدت كافة الأطروحات القديمة التي أسهبت في الحديث عن عجز تلك اللغة ومحدوديتها. صرامة في الاستعمال لا تستثني برنامجا من برامجها . حرفية في نقل الخبر وتحليله وإعادة إنتاجه وتأويله . دقة في معالجة القضايا واشكالاتها دون إبراز لون الدم على أنه اللون الوحيد الذي يعرفه العرب . انفتاح على الإعلاميين العرب كما ساستهم لا تميز بينهم ألوان الطيف الأيديولوجي إلا ما قلّ . مهمة صعبة يتولاها مجموعة من الشباب العربي الذي تم انتقاؤهم على أساس الكفاءة لا غير فلا موقع لجميع الولاءات والزابونيات الموازية المنتشرة هنا وهناك . كفاءة تعكس تمكنا من العربية لفظا ومعنى . كل ذلك في قناة فرنسا France 24 التي اختارت عدم التعامل مع العرب دويلات وأقطار وقبائل وعشائر أو هكذا اقتضت مصالحها. وإلا كان البث متعدد اللهجات مستخدمة اللغة التي تفهمها كل دويلة وكل قبيلة على حده . إنها رسالة فرنسا 24 إلى العرب وحدة واحدة وليس وحدات مفتتة .
في مقابل ذلك حنين قديم من قبل بعض قنواتنا التلفزية وإذاعتانا الخاصة وحتى الوطنية والجهوية مستعملة لغة لا هي بالعربية ولا بالفرنسية ولا هي بالبربرية ولا العامية . إنها طبيخ من كل ذلك هي أقرب إلى المالطية . تتركب مصطلحاتها وبناءاتها من خليط لا رابط بينه سوى رحمة ربك . كان على تلك القنوات والإذاعات بمسمياتها الكثيرة "الفسيفساء"، "الهانيبال" ، "الجوهر" ، العرائس بأنواعها ومجالات انتشارها في الساحل والصحراء ، كان عليها أن تتعلم ممن تعلموا في مدارسهم بقية الدروس ، كان عليهم أن يقرؤا الدروس التي تلقن للناشئة أول مرة لاشيء يسبق تعلم اللغة الوطنية لا شيء يحول دون احترامها .كل الشعوب الحرة لا تحيد عن هذا المبدأ . كان عليهم أن يقتدوا بالأسياد القدامى في احترام لغاتهم الوطنية . بل كان عليهم أن يمتثلوا لإرادة الشهداء ، شهداء الحركة الوطنية وأن ينفذوا وصيتهم في احترام اللغة الوطنية طالما أنهم يبثون من فوق الأرض التي ارتوت بدمائهم الزكية . ألم يقرؤوا في سجلاتهم التي عرضت منذ سنة بمناسبة خمسينية الاستقلال كم كان حجم التضحية من أجل هذا البلد ، إن لسان حال أولئك الشهداء يذكر بأن النعم التي ينعم بها بعضهم اليوم مردها إلى تلك التضحية . كان عليهم أن يحترموا الدستور الذي نص على أن العربية هي اللغة الوطنية دون سواها أم أن الدستور لم يعد يشكل مفخرة وفقد بريقه على خلاف كل المرات السابقة التي تعودوا فيها استحضار كافة التجارب مع الدساتير حتى أحييت عظام دستور عهد الأمان وهي رميم . أم أن كل تلك السنين الطويلة لم تثن عن الولوع بالتشبه بالغالب القديم ؟
مفسدة كبيرة يتعرض لها مجتمعنا بسبب طمس لغته الوطنية من قبل بعض أدواته الإعلامية الممولة من عرق أبنائه . لقد لا حظ العالم بأكمله كم كان رد فعل الرئيس الفرنسي حادا لمجرد أن أحد رجال دولته تدخل في أحد المؤتمرات بغير لغته الوطنية . يعرف الدارسون كم كان عدد الشعوب التي استعمرتها فرنسا كبيرا وكم كان أكبر عدد الأفراد الذين نزحوا أو هاجروا أو هجّروا إلى فرنسا فهل أصبحت لغة واحدة من لغات أولئك جميعا لغة ثانية في مؤسسات الدولة الفرنسية وهل كان لدولة مثل فرنسا أن تسمح بمثل ذلك ؟ إن الأمر جد مختلف لدينا فالطبيخ اللغوي لا يخلو منه فضاء عام وخاص فهو ينتشر في البيوت والشوارع والمقاهي والمغازات تسمعه وتلحظه وتراه . والدولة في مقابل كل ذلك لا تحرك ساكنا للحد من ذلك الضجيج حتى تفاقم الأمر فصارت العربية غريبة في بلادها . إن اللغة العربية باتت ممنوعة من الاستعمال في كثير من الدروس في التعليم العالي وإن الطلبة الذين لا يتقنون إلا لغتهم الوطنية لا حظ لهم في كثير من الاختصاصات وقد تخيل لنا أن الأمر يقتصر على بعض الكليات العلمية والطبية والهندسية فإذا بالعدوى تستشري لتضرب العلوم الإنسانية والقانون والاقتصاد والتصرف ، حتى أن بعضهم منع من الكتابة بالعربية في امتحان يجرى في بلاد ينص دستورها على أن العربية هي لغتها. إن الدولة مدعوة للحفاظ على الأمن اللغوي للمجتمع وهي وظيفة لا تقل أهمية ونبل عن الحفاظ عن الأمن العام فما قيمة هذا الأخير في شخصية "وطنية" متهالكة معتلة لا مكان لديها للانتماء والمواطنة والوطن .

عرس الذيب ...أو مستنقع العنف والجنس في السينما التونسية مقال منشور في جريدة الصباح بتاريخ 18 - 11 - 2007

عرس الذيب... أو مستنقع العنف والجنس في السينما التونسية
بقلم: د.سالم لبيض
أستاذ علم الاجتماع جامعة تونس المنار
الأفلام التونسية قليلة الظهور لأسباب عدة لعل أهمها محدودية سوقها وهو من العوامل الهيكلية التي تخرج عن نطاق إرادة المشتغلين بها مما يقلل من إمكانيات رواجها وبالتالي تمويلها أو دعمها. وعندما يولد مولود سينمائي جديد فذلك بدون شك بدعم من دافعي الضرائب في تونس حيث باتت مساهمة وزارة الثقافة تتجاوز النصف مليار من المليمات من الموازنة المقررة لهذا الفلم أو ذاك. والخلفية التي تحكم الوزارة أو الجهة الداعمة للنشاط السينمائي مثل إدارة التلفزة، تبقى دائما محكومة بما سيروج له من "ثقافة وخصوصية تونسية".
لقد شدّ انتباهي احتفاء بعض القاعات بالعاصمة بمولود سينمائي جديد هو عرس الذئب للمخرج الجيلاني السعدي. الاسم لم يكن مألوفا في عالم السينما لاسيما التونسية منها وذلك بسبب محدودية التجربة فهو لم يبرز إلا منذ أربع سنوات بفلم "خورما". وكان الانطباع الحاصل من أول وهلة هو أن الرجل قد يكون مجددا ومدافعا عن قضية ما في عالم سينمائي محكوم بالأيديولوجيا والبراغماتية وإن روّج لنقيض ذلك، عالم شديد التنافس خاصة في ظلّ الخدمات المجانية التي باتت تقدمها الفضائيات بألوانها وهوياتها ورسائلها المختلفة. لكن الأمر تغير منذ الدقائق الأولى من الفرجة. فالمشاهد الأولى من الفلم كانت تنبئ بأحداث حبلى بالعنف والجنس.وكأني بالسينما التونسية تكرر نفسها منذ البداية إذ بدت مغرقة في تصوير مشاهد العنف. وللعنف أشكال عديدة في الفلم مادية ورمزية وشفوية، وهو عنف تمارسه المرأة كما الرجل، الشاب كما الفتاة، الكبير كما الصغير. إن المجتمع الذي يصوره الفيلم والشرائح التي يعالج قضيتها إن كان الفيلم يعالج قضية فعلا لا تعرف سوى العنف وسيلة لحل مشاكلها. أشكاله متعددة فهي لا تقتصر على الضرب المبرح والخفيف والسبّ وبذاءة القول وعنف اللسان ويصل الأمر حدّ الإلقاء بالمزابل بل والقتل. تبدو أحداث الفلم سلسلة من ممارسات العنف والعنف المضاد بأشكاله المختلفة ودوافعه المتنوعة وكأن المجتمع الذي تنتمي إليه مختلف الشرائح الممثلة في الفلم لا يعرف غير العنف وسيلة للتواصل فهو يخترق كافة الفضاءات، عنف في الشارع، وفي البيت، وفي المستشفى نعم في المستشفى إنها صورة لا يمكن إلا أن تحطّ من تلك المؤسسة وتجرّدها من جوهرها الإنساني وتدين كافة المشتغلين بها والقائمين عليها مجتمعا ودولة.
تدور وقائع الفلم في ثلاثة فضاءات رئيسية هي المدينة العتيقة والخمارة ومحطة القطار. المدينة العتيقة هي الأكثر حضورا من بين تلك الفضاءات. عقدة تلك المدينة لا تغيب عن الكثير من المخرجين التونسيين هي عقدة ذنب دائم، يكاد لا يوجد فلم تونسي لا يتمثل ذلك الفضاء. ولا ندري هل هو انتقام من رمزية تلك المدينة وتاريخيتها لحداثة موهومة حالت الطبيعة العربية الإسلامية للحاضرة دون تحققها ومن ثمة تدنيس قدسيتها المستمدة من طابعها الديني باعتبارها إحدى إفرازات جامع الزيتونة الأعظم. أم أن ذلك محض صدفة ؟ وكأني بلسان حال أولائك المخرجين يقول لنا إن المدينة التي نشأت حول الجامع الأعظم الذي تأسس منذ القرن الأول للهجرة هي مكان ينتج المدنس. رسالة روجت لها أفلام عديدة مثل حلفاوين ويا سلطان المدينة وهاهو عرس الذئب يعيد إنتاجها. الفضاء المقدس لم يعد مقدسا دنسته ممارسات العربدة والاغتصاب إنه فضاء مظلم، قاتم، مخيف لم يعد ينتج إلا مثل تلك الممارسات. رسالة واضحة لا لبس فيها ولا غبار عليها. وبذلك يكون من اليسير تجريده من قدسيته ورمزيته التاريخية. إن الانتقام مستبطن لا محالة. ولنا أن نتساءل عن أسباب قتامة وسواد وهامشية المدينة التاريخية في أذهان مخرجينا، في حين أنها محلّ فخر واعتزاز أمام السيّاح الوافدين من الأوطان الغربية لزيارتها والتمتع بعبقها الضارب في القدم. لسنا في حاجة إلى التذكير بأهمية تلك المدينة وبالأدوار التي لعبتها على مرّ القرون سياسة واقتصادا وثقافة ودفاعا عن هوية الشعب ولا تزال بعض تلك الوظائف حاضرة إلى يوم الناس هذا.
الفضاء الثاني الذي تدور فيه الأحداث هو الخمارة، يحتلّ المرتبة الثانية من حيث الأهمية. الخمر قيمة ثابتة في الفلم، شربه من العادات اليومية، قليلا ما يصادف المرء فلما تونسيا لا يمجد تلك القيمة ولا يضعها في مكان الصدارة. وكأن الأمر يتعلق بقيمة ثابتة في المجتمع. صحيح أن الأمر يتعلق بما هو خاص في حياة الفرد، لكن الفلم يظهر لنا قدرة لدى أولئك الشباب على توفير متطلباتهم الخمرية في واقع يحتلون فيه موقع الهامشية وما يعنيه ذلك من بطالة وفقر وانحراف حتى أنه يتضمن نوعا من التثمين لاستيلاء بل سرقة أحدهم مال والده الذي كان قد طرده من المنزل بسبب بطالته المزمنة. القدرة على توفير الخمر لا تقابلها مقدرة على تلبية الحاجات المتجددة التي تفرضها الحياة اليومية. الخمارة تحظى بمركزية لا تضاهى في الفلم فهي قبلة غالبية شرائح المجتمع. مبالغة لافتة بسبب وجود موانع كثيرة منها ما هو ظاهر ومنها ما هو مستبطن. الأول يتعلق بالعجز المالي، فتلك المادة لا تستهلكها بصفة منتظمة إلا شرائح قليلة تعيش الثراء والرفاهية فهي مادة مرتفعة الثمن لا يقدر عليها أي كان لاسيما أولائك المهمشين الذين يتناولهم الفيلم كمثال للشباب في تونس. إن الشرائح المهمّشة قد انحدرت بوسائل تسليتها و"عبثيتها"إلى مادون ذلك المستوى من مواد سكر وتخدير. أما الثاني فيتعلق بالقيم التي يتربى عليها الشاب في العائلة والمدرسة وهي قيم لا تمجد بأي حال من الأحوال مكانة الخمر بل منها ما يدينه إدانة صريحة وهي القيم الدينية. لقد أثث المخرج وهو صاحب السيناريو مجرى الأحداث داخل الخمارة بمقاطع شرقية هي بعض أغاني أم كلثوم الكلاسيكية كانت تؤديها مطربة شابة، ربما يعكس ذلك حنين قديم إلى الشرق وعبقريته كادت أيام الهجرة التي قضّاها صاحب الفلم بفرنسا أن تذهب بريحه.
الفضاء الثالث هو محطة القطار وهو فضاء احتل مكانة ثانوية ولكنه يرمز إلى السفر والهجرة بل والهرب من مواجهة الواقع على الرغم من أن المخرج اعتمده كوسيلة للانتحار، انتحار من لا يوفر له المجتمع إمكانية الاندماج والعيش بكرامة فهل يحيل السفر على الانتحار فعلا ؟ وهل هي إدانة للمجتمع أم للمنتحر؟
في الفلم مكانة متميزة للمرأة، يظهرها بصفة ثانوية للغاية كأم لها غيرة على ابنها وإحساس بمعاناته المتأتية من البطالة والتهميش. لكنه يبرزها بصفة رئيسية كامرأة بغي لعوب تحترف العهر والبغاء وتمتهن الرقص بالخمارات والملاهي. الفتاة اغتصبت بطريقة حيوانية فظّة من قبل ثلاثة شبّان بصفة متتالية مشهد قلّما يتكرر في الحياة اليومية فهو من الفظاعة بما لا يسمح بتكراره. إن تكراره يعني انتشاره وتحوله إلى مشهد مألوف مما يضع المنظومة التربوية وكافة القيم الأخلاقية والمدنية للمجتمع لاسيما ما يتعلق بحقوق المرأة موضع المساءلة. المرأة لا تحيل إلا على الجنس في تصور المخرج فهي جسد بدون أحاسيس ولا مشاعر ولا ذات مريدة. لم يولّد فيها ذلك الحدث الكارثي سوى الرغبة في الانتقام. أما الدنس الذي ترتب عن عمليه الاغتصاب فهو بسيط وقابل أن يمحى بواسطة الاغتسال أو هكذا بدت رمزية الاغتسال في الفلم. لتعود الفتاة الراقصة مباشرة إلى سالف عملها بعد أن أرجع لها الانتقام كل ما خسرته فهي اغتصبت ولم تخسر شيئا، إذ لا يشير الفلم إلى قضية شرف أو فقدان عذرية أثيرت لديها مجرد الإثارة فالأفلام التونسية أو معظمها دأبت على تجاهل تلك المسألة ووضعها خلف الستار. فلا مكان لشرف المرأة وقدسية جسدها ورهافة أحاسيسها فهي لا تعني في رسالة الفلم غير الجنس عنوة أو طواعية. ولنا أن نسأل المخرج هل انتقمت الفتاة لشرفها المهدور أم لمجرد الاعتداء عليها ؟ يجيب الفلم بأنه انتقام ضدّ إكراهها على ممارسة الجنس مع من لا ترغب. والدليل أنها عادت طبيعية راقصة لاهية منتشية في آخر الليل. كم يتطلب مثل ذلك العنف أو أي عنف يمارس على الإنسان من وقت للتعافي منه ؟ صورة على درجة عالية من الإجحاف والاعتداء في حق المرأة خاصة وأن بقية النساء في الفلم لم يتجاوز دورهن اللهو في الخمارة. يبدو أن المخرج لم يكن يستبطن سوى صورة المرأة الجسد أما المرأة-الإنسان بكل ما في الكلمة من دلالات فلا مكان لها في الفلم. إن المرأة هي نتاج ثقافة مجتمعها ومهما يكن حجم المسألة الجنسية في مجتمعنا فلا نعتقد أن هذا المجتمع قد لقّن نساءه مبادئ تقديس الجنس بصرف النظر عن القيم والضوابط التي تنظمه. ولعل الانتهاء بالفلم إلى تلك المصالحة التي حلّت محلّ الرغبة في الانتقام والتي سيمارس فيها الجنس مجددا ينطوي على تساهل في التعامل مع تلك المسألة واختزالية لا تعكسها الوقائع فليس من اليسير أن تتحول المرأة الباغية العاهرة إلى فتاة قابلة الزواج، ولعلّ المخرج يدرك جيدا أن الشاب اليوم أكثر ميلا للزواج بفتاة ليس له معها علاقة سالفة. ثم إن هذا التسامح الذي أبدته الفتاة كما أبداه الشاب أليس تسامحا مبالغا فيه؟
الشريحة الأخرى التي تحظى بالتبجيل في الفلم هي شريحة الشباب لكن المخرج لا يتمثّلها سوى كفئة منحرفة تحترف الجريمة والانحراف فهي مجرد مجموعة من العصابات المتصارعة المنتمية إلى هذا الحي أو ذاك. لقد جرّد المخرج الحي - الحومة من أي تضامن بين أفراده. فاعتداء مجموعة من الشباب على بنت الحومة لا يمت للواقع بصلة، أبناء الحومة كثيرا ما يغارون بل يتحمسون للدفاع على بنات حيهم إذا تعرضن لمكروه. ثم منذ متى يكون الشاب وهو في عنفوان شبابه مثالا للخوف والهرب إذا ما ارتكب خطيئة ما. ألم تكن الشجاعة التي تصل درجة الاندفاع هي ميزة الفترة الشبابية في حياة الإنسان مهما كانت النتائج المترتبة على ذلك. لقد قدّم لنا المخرج صورة مخالفة لكل ذلك من خلال هرب الشباب مذعورين عاجزين عن أي مواجهة أو تحمل أي مسؤولية تجاه ما ارتكبوه من خطيئة واعتداء.
في النهاية لابد من أن نتساءل عن الرسالة التي أراد المخرج إبلاغها. هل يريد القول إن المجتمع الذي نعيش فيه هو عبارة عن غابة يسودها العنف والجنس الحيواني؟ هل هو مجرد ذئاب بشرية ضحيتها هم ضعاف المجتمع ؟ يبدو أن كل أحداث الفلم تنحو هذا المنحى. لكن من الأهمية تذكير المخرج أن ذلك الطرح لم يعد جديدا وقد قطع معه في الفكر العربي والأوربي على حدّ السواء. قطع معه ابن خلدون منذ ستة قرون عندما كتب "لابد من وازع يزع الناس بعضهم عن بعض". وقطع معه فكر الأنوار الأوربي بواسطة مقولة العقد الاجتماعي.

جرجيس "زمرّدة مكنونة" طمثتها الآثام مقال منشور في جريدة الصباح بتاريخ 15 - 6 - 2008

جرجيس "زمرّدة مكنونة"
طمثتها الآثام

د.سالم لبيض
جامعة تونس المنار

اسم ضارب في القدم ، ورد في كتاب المؤرخ البيزنطي بروكوب Procope في القرن السادس الميلادي . اسم شخص تحول إلى تسمية لمدينة. هي إحدى مدن ثلاث – زيطا وقنطرتها وجرجيس – شهدتها شبه الجزيرة المعروفة بدخلة عكارة نسبة إلى القبيلة التي استوطنتها منذ نهاية القرن السادس عشر الميلادي . الطبع غلب التطبع فاستقرت التسمية على أصولها الجغرافية بدل القبلية.
كانت قرية صغيرة عندما زارها الضابط الفرنسي دوبراي DUBREUIL أول مرة سنة 1917 وأخذ الصورة الفضائية التي كادت أن تأتي على جميع المعالم المميزة للمكان . لم يكن الرجل ضابطا استعماريا تقليديا . سيرته الذاتية تروي خصالَه الفذة. لقد أثمرت تجربته مع ذلك المكان عملا روائيا بعنوان "شبه الجزيرة الإفريقية La presqu'île africaine " أطلق فيه تسمية "الزمرّدة الصغيرة" على الأرض التي اختارها موطنا لبقية حياته ومماته (1917 -1960)، بعد أن اجتباها من بين أراض كثيرة مكنته من زيارتها رحلته لإفريقيا سنة 1924 " la croisière noire citroën" وآسيا سنة 1932la croisière jaune citroën"". لم تطلق الصفة جزافا ولا هي من باب المصادفة . فقد حكمتها ثلاثية لا تلتقي أبدا إلا نادرا، البحر والواحة وغابة الزيتون. اختيار فيه اجتذاب للماضي واستعادة للتاريخ. خيار سبقه إليه "عكارة" حينما احتموا أول مرة بالبرج الحسيني وأسسوا حذوه جامع الحصار والقصور التاريخية حمّالة أسماء العروش . لم يكونوا على دراية بأنهم روّاد فعل تاريخي ثمرته ستكون تلك المدينة الزمرّدة. سبق يحيل على ارتباط وثيق بالأرض والتاريخ، لا يعوزه ذوق سليم في الاختيار ورؤية حصيفة في النظر إلى الآتي. جرجيس مركز استقطاب للمجموعات على مرّ التاريخ، مدينة دائمة الاتساع. سكانها عرب وعجم. مسلمون ومسيحيون ويهود، لم يتجاوز عددهم الأربعة آلاف سنة 1886، ناهزت اليوم الثمانين ألف يتضاعفون ثلاثا في موسم الصيف دون أن يؤودها ذلك. استقطاب أسراره كامنة لا يعلمها سوى الراسخة أقدامهم في أرضها. اصطفاها الله بمناخ معتدل فلا هي بالباردة شتاء ولا بالحارة صيفا. مواردها عديدة. غابة زيتون تناهز المليون وربع. بحر بسمكه وإسفنجه المتميّز، نشاط سياحي متنام. انفتاح على الآخر متقادم مستحدث أنجب حركة هجرة وجذب متوازيين سمتهما الرئيسية التعايش والثراء. ثروة بترولية هامة تحيل نيرانها المحترقة في سماء جرجيس على قول شاعر قديم " مَا بِڤْصِتْ نَارْ فِي جْفَارَهْ كَانْ نَارْ عَكَّارَهْ". النار القديمة تنوّه بكرم أهل المنطقة وتذكّر بخصالهم الطائية، أما نارهم الجديدة فرمزيتها تكمن في انفتاحهم على الاقتصاد الكوني المعولم منبعثا من رماد الأرض ذاتها التي لم تكن تنتج يوما سوى الكفاف. حركة تجارية لا متناهية استفادت من انفتاح على البحر يرجع إلى أزمنة غابرة، ثماره منطقة حرّة وميناء تجاري سفنه رواسٍ لا تتزحزح إلا محمّلة بما لذّ وطاب من رحيق الثروات. أرضية اقتصادية صلبة تلك التي افترشتها مدينتنا مما استوجب عقلنة أنشطتها وتنظيمها عبر مؤسسة تنتزع حقّها وترسّخ إيطيقاها وشرعيتها بعيدا عن نزوات الأفراد، ولها في إرث زيطا القديم سبق ودليل .
أُحدِثت بلدية جرجيس سنة 1889، اسمها الأول "مجلس الطرقات"، لم يكن مجال تدخلها يتجاوز ما يعرف تاريخيا "بقصر الشلبة" مركز المدينة الحالي. ولكن الأمر لم يلبث كثيرا فتحولت جرجيس بأكملها منطقة بلدية ينظمها مجلس بلدي ومجموعة من الدوائر. ميزة جرجيس أنها نشأت وامتدت أفقيا حتّى أنها لم تعرف الامتداد العمودي إلا فيما قلّ. بناء اتسم بالإنسيابية، لم تستجب المدينة في تطورها التاريخي لنموذج المدينة العربية الإسلامية المتمركزة حول الجامع والسوق ومركز السلطة، وإنما استجابت لنموذج عمراني يصفه المختصون بـ"البناء العمراني العنكبوتيSTRUCTURE URBAINE EN TOILE D’ARAIGNEE . ميزته ضعف التخطيط أو انعدامه وانتشار التجمعات السكانية على شاكلة بقع الزيت. هكذا ظهرت مراكز عمرانية بأكملها في جرجيس مثل السويحل وصانغو وحسّي الجربي والعڤلة وحمادي والمؤانسة والرجاء والسحبي وزيان ..إلخ . ولعل المفارقة في كل ذلك هو التناقض الحاد بين وجود بلدية عريقة احتفت بمئويتها الأولى منذ ما يناهز العشرين سنة خلت، وبين مدينة تعيش انحرافا عمرانيا كليا متأتّ من عجز تلك المؤسسة على السيطرة على الفضاء بفعل إرادي أو غير إرادي. قد يبدو الأمرُ مبالغا فيه، ولكني لا أملك إلا أن أدعو إلى زيارة المدينة عن طريق قوقل– إرث GOOGLE-EARTH فسيُكشَف النقابُ عن بقع الزيت التي عرفت تناميا لا متناهيا بعد أن تكاثرت بشكل عشوائي مثير للفزع. ولنُسمّ الأشياءَ بأسمائها، إنها أحياء متناثرة هنا وهناك هي أقرب للأحياء الفوضوية فاقدة كافة أنواع التخطيط والتهيئة، ميزتها الأزقّة الضيقة والمسالك المعوجة التي يصعب فيها المرور ناهيك عن تدخل سيارة إسعاف أو حماية مدنية في حالات الضرورة. وهي فاقدة لا محالة للكثير من المرافق من طرق إسفلتية وقنوات تطهير، مما حول جنان التين واللوز والعنب الفردوسية العكارية إلى أراض تلوثتْ موائدُها المائية بسبب آبار القمامة والفضلات التي لا تنضب. الإسمنت المسلح حلّ محلّ تلك الجنان واستشرى كالنار في الهشيم. محاكاة يقودها جشع في الظهور عديم المعنى. إسمنت فاقد لكل جمالية محتملة، هو خليط من الأنماط والأذواق والتمثلات الوافدة من كل حدب وصوب، اختلط فيها معمار مختلف القارات، الهندي يتعايش مع الأوربي مع الإفريقي هذا يأخذ من ذاك كلهم مجتمعون بجرجيس بدون سابق ميثاق. فلا هو نمط معماري عربي– إسلامي ولا هو بالقوطي المسيحي ولا بالشرقي ولا بالغربي، إنه خليط من هنا وهناك. بناءات شاهقة محاطة بأسوار تعكس نرجسية البروز فاقد المقوّمات. التقت على عدم التناغم والانسجام. شيدت على مرأى ومسمع من ذي قدرة قدير. استنادا إلى قاعدة قديمة "دعه يعمل دعه يمرّ". إنها سلطة المال الذي لا سلطة لسواه. مال عديم المسؤولية تجاه ما هو عمومي مشترك، تجاه بنية أساسية متداعية، طرقات وأرصفة ومبانٍ عمومية هي في أشدّ الحاجة للصيانة.
إرث ثقيل من اللامعنى ، تدشينه جاء بعد الاستقلال مباشرة عندما قرر أول مجلس بلدي إزالة البرج الحسيني القلعة القديمة التي يروي حجرها تاريخ الأرض والبشر. أُردف ذلك بضريح السيد جرجيس المزار القديم الذي منح اسمَه للمكان. كل ذلك تم تحت شعار التحديث والتخلص من مخلفات الاستعمار !!! مما أفقد المدينة روحها وذاتيتها التي كانت تعطيها هويّة بها تفتخر وتتباهى. والآن بعد نصف قرن من ذلك الحدث تساق محاولات الترميم مشوهة فاقدة لجمالية مبتغاة أفسدتها مدافع بلاستيكية هجينة إنتصبت على أسوار مصطنعة، على أنقاض مدافع حقيقية إستخدمت في الدفاع عن برجي جرجيس والبيبان .


مدينة مترامية الأطراف كشفت الفيضانات الأخيرة عن هشاشتها بعد أن تحولت بقع الزيت- أحياء المدينة إلى جزر تحاصرها المياه من كل جانب حتى كاد الأمر أن ينتج كوارث طبيعية. كوارث يحميها غياب تهيئة شاملة تتجاوز ما أنتج بعد فيضانات 1969 المقتصرة آنذاك على مركز المدينة دون أطرافها. مدينة هتكت سترها آفة جديدة لم تعرفها من قبل. جرذان مسممة رمت بها سفينة قادمة من بلد إسكندنافي محملة بالخشب لفائدة شركة تجارية أجنبية. جرذان انتشرت بسرعة خيالية، عددها يتضاعف آلاف المرات في السنة الواحدة. آثارها التخريبية لا تستثني بشرا أو حيوانا أو شجرا أو حجرا. أطفال ونساء ورجال وقطعان ومحاصيل يصيبها الأذى القاتل أحيانا. ما كان لهذه الآفة أن تنتشر لو لا ما أصاب البيئة من إثم وما أصاب النمط العمراني من عشوائية عنكبوتية ومن صروح فوضوية ومسالك رسمتها الدواب يوما تحولت إلى طرقات، ومن أسوار حاصرت الطبيعة وأفقدتها عذريتها ومباني خربة محرومة من الصيانة أو الاستبدال، ومن مزابل متأتية من الأوساخ المتدفقة من البيوت والقصور المرفّهة إلى الشوارع الرثّة.
في جرجيس ظهرت أولى المدارس الابتدائية التي عرفتها تونس، مدرسة الذكور 1887، مدرسة الفتيات 1906. وتواصلت الجهة مع خارجها ومع ذاتها قبل ذلك بسنين، فأسست محطة للتلغراف في 1875 سرعان ما تحولت إلى مركز للبريد والبرق والهاتف سنة 1886. واحتضنت بعثتين قنصليتيْن لكل من فرنسا وأنقلترا منذ سنة 1885. وقد كانت المدينة الأولى في كل تلك الميادين في الجنوب التونسي. إن رمزية كل ذلك تكمن في احتضان العلم ودُورِهِ المؤسِّسة والتواصل مع الآخر منذ فترة مبكرة مقارنة بغيرها. عشرات المؤسسات التعليمية الابتدائية والثانوية تنتشر اليوم في شبه الجزيرة، يقابلها تهميش لفضاء الكتاب. فالمكتبة العمومية اليتيمة التي يؤمّها مئات تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات لا يتجاوز رصيدها 13 ألف كتاب كثير من عناوينها مكررة ولا تفوق طاقة استيعابها 79 مقعدا. تهميش يشمل نصيب تلك الجهة من المؤسسات الجامعية وحق أبنائها في الدراسة في مواطنهم شأنهم في ذلك شأن الكثير من أقرانهم وزملائهم حيث حظوظ النجاح لديهم أوفر نصيبا. ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لفضاءات الترفيه والحدائق العمومية إذ لا مكان لها ضمن سلّم الأولويات، ولبعض الأنشطة الثقافية والفنون لاسيما دار السينما الوحيدة التي تحولت إلى خراب مظلم قاتم تملؤه الأفاعي والجرذان دون التفكير في إعادة تهيئتها وبعثها للحياة من جديد. أما المسرح فقد اختير له أن يكون موسميا وصيفيّا بالأساس ناهيك عن غياب فرقة مسرحية محلية تسنده وغياب شبه كامل لتدريس ولنوادي المسرح والموسيقى في المؤسسات التربوية. كما لا تزال بعض المهرجانات وخاصة مهرجان الإسفنج تسبح في محليتها الضيقة بالرغم من إعلانها تظاهرات وطنية ولم تستطع الوصول إلى العالمية على الرغم من مجايلتها لبعض المهرجانات الكبرى مثل قرطاج وأوسّو. أما الأنشطة الفكرية من منتديات وملتقيات وعلى الرغم من النجاحات التي حققه بعضها ( أنشطة اللجنة الثقافية المحلية مثل ملتقى الحارث مزيودات ومنتدى نور الدين سريب 8 دورات ونشر 4 كتب) فإن الغموض يكتنف مصيرها بسبب قلّة ما يرصد لها من أموال وإمكانيات. وتزخر المدينة الزمرّدة بعدد لافت من الجمعيات ولكن أثرها يكاد يكون منعدما إذا ما استثنينا معرض جمعية الفنون التشكيلية الصيفي والدور الذي تلعبه جمعية ترجي جرجيس التي يرصد لها النصيب الأوفر من المال المحلي مقارنة بغيرها . ولابد من الإشارة إلى ما يعانيه القطاع الصحي من فقدان للتجهيزات الضرورية وللإطار الطبي المتخصص مما ينجرّ عنه هدر أموال كبيرة لفائدة القطاع الخاص ومعاناة مضاعفة بسبب البحث عن العلاج المناسب الذي يستدعي اختراق المسافات ، ناهيك عن ضريبة ذلك من الخسائر البشرية.
خلاصة فإن جرجيس المنطقة الثرية بتراثها وثرواتها وتجربتها وإشعاعها في أشد الحاجة إلى تجديد عقولها المفكرة وتغيير نظرة أبنائها لما هو عمومي ، وفي دعم الخواص والمستثمرين – أكبر المستفيدين - للفضاء العام في مختلف المجالات لاسيما ما هو ثقافي وعلمي، وهي في حاجة إلى إعادة النظر في تركيبتها الإدارية والتنظيمية فما عادت تحتمل البلدية الواحدة والمعتمدية الواحدة والمستشفى الواحد ...إلخ إنها في حاجة إلى التقسيم وإعادة التنظيم على غرار جهات كثيرة أقل كثافة وأهمية.

ردّا على صديقي الفيلسوف: من رميم غزّة تنبعث الإنسانية المغايرة ، مقال منشور في جريدة الصباح بتاريخ 10 - 2 - 2009

ردّا على صديقي الفيلسوف:
من رميم غزّة تنبعث الإنسانية المغايرة

د.سالم لبيض
أستاذ محاضر في علم الاجتماع

كم كنت أود لو أن الأستاذ عادل مطيمط استحضر البديهة التي عهدتها فيه وهو يناقش في مقال له نشرته جريدة الصباح بتاريخ 25 جانفي 2009 بعنوان "على هامش مأساة غزة: هل يذهب الأمر ببعضنا إلى حدّ رفض القول بوحدة الإنسانية"، وهو مشكور على ذلك، مقالي الذي نشرته جريدة الوطن في عددها الثامن والستين وعنوانه "محرقة غزّة تنهي أسطورة المحرقة". بديهة كانت ستنقذ فهمه مما وقع فيه من التباس في التأويل أظن أنه نتاج لما تعلّمه في درسه الفلسفي الأول، حول المنطق الصوري، مما جعله يستحضر آليات ذلك المنطق لاستنباط ما بدا له تناقضا بين مقدمات مقالنا ونتائجه. ونحن في ذلك نشفق عليه من الأسر الذي وضع نفسه فيه، أسر مرده اعتقاده – اعتقاد الطفل في قول معلمه- في مقولات ما أنتجه الغرب من أفكار فلسفية قديمة تم تجاوز الكثير منها حتى في الغرب نفسه على أرضية مبدأ المغايرة والحق في الاختلاف والآخرية. وفي صميم تلك الآخرية نشأت مقولة الإنسانية المغايرة التي عبّرت عنها بوضوح في الفقرة الأخيرة من مقالي السالف الذكر بعد أن كنت اكتفيت بالتلميح إليها في بقية الفقرات. وأنا أدرك أنه يقرّ بها لما يختلي إلى نفسه ويتأمّلها ويقرأ الأشياء بتمعن وفي راحة من البال وبشيء من الحرية وبعيدا عن تابوهاته الفلسفية. لكن سرعان ما يحجب عنه منطقه الصوري الذي يحتكم إليه في تأويل الحقائق المذهلة المفجعة التي تعيشها الإنسانية بسبب تلك المغايرة. وقبل الغوص في تلك القضايا الهامة الواردة في مقالي والتي أثارت حفيظة صديقي أستاذ الفلسفة لا بد من توضيح بعض الجوانب الشكلية.
إن مشاعرك النبيلة العربية والإنسانية التي عبرت عن اشتراكك معي فيها تجاه القتل الممنهج الذي وقع لأبناء جلدتنا في غزة كان يجب أن تحرّك عواطفك وعقلك وخاصة قلمك وهو أضعف إيمان النخب في القيام بدورها كتابة وتنديدا بتلك المحارق غير المسبوقة. لكن قريحتك وشاعريتك انبلجت لما تعرضت بعض المفاهيم النظرية المتهاوية أصلا للنقد وإعادة البناء ولم يوقظها الفسفور الأبيض وهو يلتهم أجساد الأطفال الطرية ويشوه خلقتهم التي خلقوا عليها. وكان الأجدر لوم النفس أولا عمّا قدمّت تجاه أولئك الأطفال قبل إلقاء المسؤولية على الغير من اتحاد المحامين العرب الذي وان اكتفى بالخطب كما تقول فقد عبّر عن موقف وهو أفضل بكافة المقاييس من الصمت وقد انطبق عليك هذه المرّة القول القرآني "يأمرون الناس بالمعروف وينسون أنفسهم"، بل كان لابد من التوجه بهذا اللوم إلى فصيلتك التي تؤويك وتؤويني وهم أساتذة الجامعات وماذا قدموا لهذه القضية.
إن وصف مجمل المقال بأنه أشبه بالخطبة السياسية أو بحديث صحفي لزعيم حركة سياسية أو لصحفي في جريدة القدس اللندنية يتحدث من على منبر الجزيرة، هو وصف أقل ما يقال فيه أن صاحبه غير متمرّس بالكتابة على صفحات الجرائد وهو أولي التجربة في هذا الميدان ولكن مع ذلك فإن الانخراط في هذه المنابر الموصومة لديه بشتى النعوت يعبّر عن انتقال إيجابي لفائدة قرّاء الصحف فالتنازل من العلياء ومخاطبتهم من داخل منابرهم التي يفقهون هو لصالحهم بكافة المقاييس. ولكن بما أن الأستاذ لا يزال طارئا على هذا الصنف من الكتابة فلا بد من الانتباه إلى أن اللغة الأكاديمية الشديدة الدقة الموصوفة بالعلمية المتجمّدة لا مكان لها ولا يفقهها إلا قلّة من الناس لا يطلّعون على الجرائد بانتظام ولا يجدون فيها حاجة من حوائجهم الضرورية وهم بطبيعتهم قليلو التأثير في الرأي العام وإن توهموا أنهم الأكثر فعلا في تاريخ الإنسانية ومصيرها. ومن ثمّ يكون اعتماد لغة سلسة مبسطة قابلة للفهم والتأويل هو الخيار الأفضل. أما من يرى غير ذلك فعليه أن يثبت جدارته في الدوريات المحكّمة والمنابر الأكاديمية وأن يملأ على دور النشر فراغها الذي تعيش، ويترك الصحف للمشتغلين بالغرض اليومي وهو في رأينا مشغل سوسيولوجي هام كتب فيه أباطرة علم الاجتماع وأحيل في هذا المجال على بورديو في كتابهInterventions 1961 – 2001 من 487 صفحة وهو تجميع لمقالات صحفية وخطب سياسية احتضنتها وسائل إعلام أو تظاهرات لحركات اجتماعية عدّة ، لم يترك شاردة ولا واردة تتعلق بمجتمعه أو بغيره من المجتمعات من قضايا عصره لم يتحدث فيها. كما لم يترك فنّا في الكتابة لم يستعمله بما في ذلك الخطابة والتحريض السياسي وتكفي الإشارة هنا إلى كتابه الذائع الصيت "بؤس العالم". وليسمح لي صديقي بأن أعلّق على قضية الخطابة التي هي فنّ وعلم قائم بذاته على حد تعبير "ابن خلدون" الذي عرّفه بأنه "الأقوال المقنعة النافعة في استمالة الجمهور إلى رأي أو صدّهم عنه" وهو علم قديم متجدد له مكانه المرموق في كل الثقافات وعبر مختلف الأزمنة. ومن حيث يدري أو لا يدري فإن الأستاذ مطيمط قد كان بارعا في استخدام آليات هذا العلم والفن العريق. فقد انتصب خطيبا يتحدث عن "دماء الأبرياء التي أسالتها الدولة المصطنعة غريبة الأطوار المزروعة في خاصرة الوطن العربي والمسمّاة إسرائيل..المدّعى لها بأنها جزيرة الديمقراطية..". ولو لا معرفتنا بصاحب هذا الكلام لخلنا أنه صادر عن زعيم بارز في حزب قومي عربي يتحدث سنة 1948 أو سنة 1967. ومع ذلك لا شيء يمنع من استثمار معرفة أيديولوجية وسياسية يكتبها "فيلسوف" بل "مؤرخ" ذكّرنا بوقائع تاريخية نسيناها أو تناسيناها مثل مجزرة قرية الشيخ في سنة 1947 ومجزرة اللّد في سنة 1948 وخان يونس 1 وخان يونس 2 وصولا إلى بيروت 1982 وما عرفته تلك الأزمنة من مجازر، وهو الذي يتهمنا بالوقائعية في الكتابة والتحليل.
فيما يتعلق بمضمون الردّ فليسمح لي صديقي الفيلسوف بأن أبدأ النقاش معه على أرضية منهجية مغايرة تنطلق مما هو عام في اتجاه الخاص أو مما هو نظري في اتجاه ما هو واقع ملموس بدلا من الركض وراء الأفكار والوقائع تفاديا للتكرار الذي وقع فيه.
لقد كنت أنتظر من صديقي الفيلسوف أن يؤثث أفكاره داخل نسق يستند إلى أقوال وطروحات معلميه وأقصد هنا فلاسفة التنوير انطلاقا من لوك وصولا إلى كانط فهو يعتقد فيهم اعتقاد المريد في شيخه. لكنه أشار لهم إشارات عابرة ملتبسة غامضة مبررا مواقفهم" الهجينة" من الآخر وهو لبّ الإشكال التاريخي والنقاشي الدائر منذ سقوط غرناطة سنة 1492 إلى العدوان على غزة في سنة 2009 .
صحيح أن لوك قد أقرّ بأن العقل هو جوهر الإنسان الذي يفرقه عن غيره. لكن عقلانية الإنسان لا تتحقق إلا إذا كان صناعيا ونشطا، أي أن يستغلّ الأرض كلّها .. وميزة الحياة العقلانية لديه هي وجود مؤسسة الملكية الخاصة التي تمثل حافزا لتطوير موارد الأرض والإحساس بالفردية والحرية مع ضرورة الاستجابة للوازع الديني الذي يحث على الإثمار والإكثار والذي لا يتحقق إلا بواسطة الارتقاء بالعلوم والفنون. ومن ميزات المجتمع العقلاني لدى لوك امتلاك المجتمع لحدود إقليمية واضحة وبنية للسلطة متراصة فضلا عن الرغبة في الاستمرار كجماعة مستقلة. وكل ذلك لا يتوفر في طريقة الحياة الهندية (يقصد ما كان يعرف بالهند الغربية أي أمريكا حاليا) فالهنود حسب رأيه كسالى وانفعاليون وجامحون وبعيدون عن الانضباط وبرّيون وعنيفون ويفتقرون إلى مؤسسة الملكية الخاصة ولا تجد لديهم فنونا وعلوما وثقافة ..ويفتقرون للمقومات المعروفة للدولة. ولأنهم بعيدون عن أي إحساس بالملكية الخاصة فإن أرضهم خالية حقا ومفتوحة ومهجورة ويمكن أخذها دون إذنهم أو موافقتهم .. والإنقليزي ليس حرا وحسب في أن يأخذ ريع الأرض الهندية ويتدخل في حياة الهنود وإنما ذلك واجب عليه. فقد أعطى الله الإنسان الأرض شريطة أن يستثمرها إلى النهاية وأعطاه العقل منتظرا منه أن يحي حياة مدنية يحكمها القانون. وبما أن الهنود لم يفعلوا أيا من هذين الأمرين فقد نقضوا أوامر الله وعاشوا بعيدا عن الانضباط والتعلم. وبغية نقلهم إلى المدنية فإن الاستعمار الإنقليزي هو ضرورة لا غنى عنها ولذا فإن هذا الاستعمار مبرر تماما.
وفي نفس السياق تقريبا كتب فيلسوف العقل كانط ردّا بالغ الحدة والقسوة على "هردر" الذي أبدى إعجابا بسكان تاهيتي السعداء، فتساءل "ما هو مبرر وجودهم أصلا، هل يختلف الوضع لو أن هذه الجزيرة كانت مسكونة من قبل خراف وأبقار سعيدة بدلا من هذه الكائنات البشرية التي تستمدّ سعادتها من اللذّة الحسية".
إن هذا النمط من الخطاب يحتل المكانة الأبرز في الفكر الفلسفي الغربي وقد كان له "شرف التأسيس" لمغايرة ولآخرية تحقيرية تنعت المختلف من الشعوب بالدونية الثقافية وبالانتماء إلى مرحلة الطبيعة واللذة الحسية وعدم الوصول إلى مرحلة المأسسة في المجال السياسي والتشريعي والاقتصادي، وتستند إلى تأويل ديني مسيحي كما أكد ذلك لوك. ولعل الموجات اللاحقة التي قامت بتطوير هذا الفكر وآلياته في التحليل لم تتوقف. فقد خاطب "توكفيل" منظّر الديمقراطية في أمريكا أحد أصدقائه الإنقليز "لم أشك.. ولو للحظة واحدة بانتصاركم، الذي هو انتصار للمسيحية والمدنية". وقد اعتمد لاحقا الفيلسوف الفرنسي أرنست رينان نظرية التفاضلية الجنسية أساسا لتحليلاته الفلسفية فدافع عن فكرة التفاضل بين فصيلتين آرية وأخرى سامية وذلك في مستوى المرتبة الحضارية والقابليات العقلية، ولمّا كان موقع الساميين هو في الدرجة الدنيا وهو يقصد بالأساس العرب فلا يمكن مطالبتهم بإنشاء دروس في الفلسفة فهم لا يمتلكون عقلا مبدعا خلاّقا أما الفلسفة العربية فهي مجرد نقل لما ورد في الفلسفة اليونانية حسب رأيه. وقد بنى قوتيه أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر ثنائية أخرى تعتمد نفس الأساس التفاضلي فحواها وجود عقل آري يرى الأشياء مترابطة وآخر سامي لا يراها إلا مفككة. وانطلاقا من ذلك التحليل في حلقاته المتسلسلة تطور الإستشراق وظهر الفكر المركزي الأوروبي وانتشرت الأنثروبولوجيا الاستعمارية في الاستكشاف "العلمي" للشعوب غير الأوروبية ومن ثم تبني مقولة المسؤولية الأخلاقية والحضارية على تمدين تلك الشعوب، وهي أشياء باتت مألوفة في المعرفة الإنسانية ولا حاجة للتدليل عليها. وهذا التمشي معتمد لدى بعض فلاسفة مدرسة فرنكفورت ولا أظنه يخفى عن صديقي الفيلسوف. فقد استحالت الأنوار و"العقل العلمي الغربي" عامة طبقا لتلك المدرسة عقلا آداتيا يستخدم في نهاية الأمر أداة للسيطرة والهيمنة. وليسمح لي زميلي أستاذ الفلسفة محسن الخوني بآقتباس الفقرة التالية من مقاله "آخر التنوير أو من الأنوار إلى الاستعمار" الوارد في كتاب "نحن والأنوار وكانط" تحرير الأستاذ عبد العزيز لبيب.".. لو تسنّى لنا اليوم تخيل التنوير جسما مشعا لصح أيضا تصوره غير مستنير بأكمله إذ تتراءى على سطحه تجاويف وعتمات كما تتراءى الأنوار المنبعثة منه تاركة خلفها وحولها دياجير وغياهب وظلالا عميقة وشاسعة.. لقد بدت لنا الأنوار على هذا الشكل غير المبهر. والخطوط الأولى لهذه الصورة ارتسمت خلال نفس العصر وذلك مع انتشار موجة الرّيبية والمادية والتفسخ واكتملت ملامحها مع ما تنشره موجة ما بعد الحداثيين. فكتب نيتشه عن تورط العقل منذ اللوغس الاغريقي في إخفاء القيم التي توجهه ودشن بداية عصر حرب الآلهة. وكشف كيركيغارد عن تجفيف العقل لمنابع الروح وأوقفنا لوكاتش على مشهد تحطيم العقل وبيّن ماركس كيف تحولت كل أبعاد الوجود إلى صنم السلعة في النمط الرأسمالي كما بيّن فيبر أن المعقولية العلمية الحديثة تفقد القيم موضوعيتها.. وسار فوكو في اتجاه أن العقل ليس إلا سلاحا آخر في ميدان المعركة هو سلاح القمع..إلخ. ولكن أنصار التنوير عندما تواجههم مثل تلك المقولات التي تضعهم موضع الشك ينأون بأنفسهم بالاحتماء داخل مقولة كانط سنة 1784 التي عفا عنها الزمن "إنما نحن نعيش في حقبة انتشار الأنوار" إلى ما لا نهاية.
إذن من داخل حقول المعرفة الفلسفية نفسها يظهر جليا كيف بدأ التفكير"العقلاني التنويري" لا غيريا لا آخريا ... لا إنسانيا لا إنسانيا لا إنسانيا..لا عقلانيا.. وبما أن حركة الأفكار هي المحرك لحركة المجتمع وهي المؤثر في صيرورته فإن ذلك التيار اللاإنساني القائم على تفاضلية المجتمعات استحال دون أدنى شك ممارسة سياسية وأخلاقية.
يقودنا كل ذلك إلى المرور إلى المستوى الثاني من النقاش وهو المستوى السياسي. فالمعروف تاريخيا أن المجتمعات الغربية هي مجتمعات لا تعرف غير الحروب أداة لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية ولسنا في حاجة إلى التدليل على حجم الحروب التي خاضتها تلك المجتمعات فيما بينها ولا عن عدد الضحايا كما لسنا في حاجة إلى التدليل على حجم الحروب الاستعمارية التي لولاها لما تمكّنت أوروبا وأمريكا لاحقا من السيطرة على العالم. وكم من دماء سالت وكم من ضحايا سقطوا وكم من أطفال حرقوا أو قتلوا أو يتّموا وكم من نساء وكم من شيوخ...الخ من أجل اكتمال المشهد العام لتلك السيطرة . مجتمعات بأكملها قبرت وحلت محلها أخرى بسبب ذلك الفعل الاستعماري. مجتمعات أخرى شوّهت ملامحها وثقافاتها وقيمها ولغاتها وأديانها واستحالت أداة للمتعة واللّذة الحسية للشعوب الغربية بعد أن نهشت لحمها نهشا وأكلته بأسنانها وحولت عاداتها وأعرافها إلى فولكلور وشواطئها إلى "كيبوتزات" مغلقة في شكل منتجعات سياحية، والأمثلة كثيرة على ذلك بل إن إفريقيا السوداء كلها مثالا على ذلك. فمن أجل منجم للذهب أو الماس أو حقل بترول أو غاز يقتل شعب بكامله أو يستغل على أبشع صورة في أحسن الأحوال.
سيقول صديقي الفيلسوف ما علاقة كل هذا بما نناقشه من قضايا. لابد لك يا صديقي أن تعلم أن الغرب هو كل لا يتجزأ من حيث الأفكار والسياسة والدين والأخلاق والعسكريتاريا وأن الحداثة الغربية التي أنتجها ذلك الكل بعد التنوير كانت حداثة لديهم وتحديثا علينا فهم من قاموا بتحديثنا وفق ما يخدم مصالحهم ووفق ما يضمن استمرارية ذلك. ولما حاولت بعض نخبنا السياسية أن تتقمص مثل تلك الحداثة وأن تبني تنمية وطنية مستقلة تضمن استقلال القرار السياسي دكت دكا كما هو الحال في تجارب مصر محمد علي ومصر عبد الناصر وعراق صدام حسين، أو عرقلت وحوصرت إلى حد الفشل كما هو أمر تونس خير الدين وجزائر بومدين. إن الشعوب الغربية تمارس الديمقراطية ولا تسمح لنا بممارستها وأمثلة انتخابات الجزائر والانتخابات الفلسطينية أحسن الأدلّة، وهي تتداول على السلطة وتسوق لنا رموز الحكم المطلق غير المحدد في الزمان ولها صحافة وإعلام ولنا دعاية واغتصاب عقول ولها تنمية مستقلة ولنا تبعية دائمة. هي تراقبنا، تفرض علينا برامجنا العلمية والتعليمية، تحدد لنا نمط اقتصادنا فنحن لا نصلح إلا لاقتصاد الخدمات. تفتخر بإنتاجها الرأس النووي والغواصة النووية لا أدري رقم كم وتراقب مولدات كهربائنا مصدر طاقتنا المتقادمة أصلا ولا حق لنا في الحديث عن طاقة نووية مهما كانت طبيعتها سلمية أوعسكرية. كل ما تبيحه تلك المجتمعات لنفسها تمنعنا منه. قاتل أجدادنا في صفوف جيوشهم الاستعمارية في جميع أصقاع الدنيا عنوة وساهموا في انتصاراتهم. وردّوا الحسنى بأحسن منها !!! عندما فتحوا حدودهم لأوروبا الشرقية التي لا تعرف لغاتهم وتختلف مع ثقافاتهم في حين أن أبناء أولئك المحاربين القدامى يصطفون في طوابير للحصول على تأشيرة دخول إلى الدول الغربية وكم من امتهان يتعرضون له وغالبا ما يكون الرفض هو سيد الموقف . وكم من أرواح بشرية زهقت في البحار بسبب ذلك أما الذين يصلون إلى شواطئ تلك البلدان فإن قانون العار المسمى بالميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء المصادق عليه من قبل رؤساء أوروبا الموحدة في 16 أكتوبر 2008 ينتظرهم بمعسكراته التي سيحشر فيها النساء والأطفال والشبان مدة 18 شهرا قبل ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية وهم الذين أجبرتهم مدارسهم على تعلم اللغة الفرنسية أو الانقليزية عقودا طويلة من الزمن حتى جعلت منهم أسرى ثقافات تلك اللغات فانتزعتهم من هويتهم وانتماءهم. صحيح أن أوروبا وأمريكا الشمالية قد طورت مفاهيم وقوانين حقوق الإنسان من ذلك اللوائح التاريخية المسماة إعلان المبادئ الفرنسي لسنة 1789 وإعلان الحقوق الأمريكي لسنة 1776 والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 ، ولكنها طورتها لنفسها ومن أجل أبنائها ولا حق لغيرهم فيها وإلا لما سمحت بارتكاب المجازر والمحارق منذ إبادة الهنود على بكرة أبيهم في أمريكا مع بداية النصف الثاني من القرن السادس عشر إلى إبادة "شعب غزة الأعزل". ولا بد من التذكير في هذا الإطار بما قاله جورج واشنطن حول إبادة الهنود من أن "طردهم من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها"، ونحن نعلم من هو جورج واشنطن وماذا يمثل للأمريكيين. لا بد من التذكير أيضا أن بعض الشعوب الغربية في بريطانيا والولايات المتحدة هي التي أعادت انتخاب كل من بوش الصغير وبلير بعد أن دمّروا بلدا بكامله وقتلوا وحرقوا أكثر من مليون عراقي وهجّروا الملايين الأخرى. ألا ينتمي إلى تلك الشعوب النخب المتشبّعة بمبادئ حقوق الإنسان وباحترام الآخر وحقه في الحياة الكريمة. نحن نعلم أن تلك الشعوب واقعة تحت التأثير المضلّل للصهيونية ولكن لا عذر لجاهل بجهله خاصة في تلك المجتمعات التي تنتج المعرفة وأدواتها وكثيرا ما تحتكرها.
بعد كل ذلك وقبله كان على صديقي الفيلسوف أن يعلم أو يتعلّم أن القول بوحدة الإنسانية الذي يزعم هو خرافة لا أساس لها وأن الإنسان هو متعدد وواحد، فهو الأبيض والأسود والأحمر والأصفر وهو الطويل والقصير وهو البدين والنحيف وهو الصغير والمسن وهو الرجل والمرأة وهو المتعلم والأمي وهو القوي والضعيف وبذلك يكون مختلفا شكلا أما الإشارة إلى اختلاف دمه فلا تخلو من رمزية وهو في كنهه إنسان واحد رغم تلك الاختلافات الشكلية. وهذا القول صحيح ما دام الإنسان خاما على هيئته الأولى لم يخرج من مرحلة الانتماء الطبيعي، أما وقد خرج من ذلك المستوى إلى التنشئة والثقافة فإن الأمر سيكون مختلفا لا شك في ذلك. وستلعب الثقافة دورا رئيسيا في تعليم الإنسان ماهيته وماذا يريد ولكن الأهم من ذلك أنها تعلمه إنسانيته التي يجب أن يكون عليها. إن الإنسانية التي تبلورت في ظل كثير من تيارات ومدارس الفكر الغربي منذ عصر النهضة الأوروبية هي إنسانية الأنا وليست إنسانية الآخر لذلك انعدم الاحتجاج على المجازر التي عرفها العرب وغيرهم من الشعوب في تاريخهم المعاصر والتي تقف وراءها بشكل مباشر أو غير مباشر حكومات غربية ولا أدري إن كانت محرقة غزة آخرها. وفي مقابل إنسانية الأنا الغربية المشحونة بالدم والقتل التي تقيم الدنيا على احتجاز أو قتل أحد رعاياها في مكان ما من أصقاع الدنيا حيث جبهاتها القتالية المفتوحة وقواعدها العسكرية الدائمة، ولا ترى في محارق الشعوب الأخرى جريمة ترتكب فترعى المعتدي القاتل وتوفر له الحماية كما هو الحال بالنسبة للدولة العسكرية الصهيونية التي بات رعاياها يستبطنون المحرقة إلى درجة إعادة إنتاجها، والتي لا أخال صديقي الفيلسوف ينتصب مدافعا عن مثل تلك الإنسانية. في مقابل ذلك توجد الإنسانية الأخرى المغايرة المختلفة التي لا تؤسس للاعتداء والقتل فكريا أو نظريا وليس لها موروث تاريخي من التلذذ بدماء الآخرين. هي بدون شك ليست إنسانية من قتلوا 45 ألف إنسان في يوم واحد أو قتلوا مليونا ونصف في أقل من عشر سنوات في الجزائر ولا هي إنسانية من حرقوا مدينتي هيروشيما ونقزاكي وأبادوا أهلها على بكرة أبيهم في اليابان ولا هي إنسانية قتلة شعب فيتنام ولا هي إنسانية إبادة الفلاحين الأفغان في مزارعهم بتعلّة مقاومة الإرهاب ولا هي إنسانية قتل الأبرياء الذي طردوا من وطنهم في فلسطين فلاحقوهم في كل مكان وشرّدوهم وقتلوهم في مجازر أكبر من أن تحصى وشواهدها لا تنمحي. إن الإنسانية الأخرى المغايرة التي نؤمن بها هي إنسانية غير معتدية وهي المجسدة لإنسانية الإنسان إن كان فعلا للإنسان إنسانية واحدة. ينتمي إلى تلك الإنسانية كافة الشعوب المغلوبة على أمرها المحتلة أراضيها الواقعة تحت الاستبداد والهيمنة الداخلية أو الخارجية في الوطن العربي وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وكل الأحرار في أوروبا وأمريكا الشمالية من مناهضي الاستعمار والعولمة والقتل المنظم للبشر في كثير من أصقاع الدنيا.تنتمي إلى إنسانيتنا المغايرة فنزويلا ورئيسها وبوليفيا ورئيسها وتركيا وأردوغانها وإيران وشعبها والمفكّرين والساسة الأحرار أمثال تشومسكي وزيقلر ونوشي وقلاوي وغيرهم . تنتمي إلى إنسانيتنا كل الجمعيات الحقوقية التي طالبت بجلب قادة الدولة العنصرية اليهودية إلى محاكم جرائم الحرب وكل الحقوقيين الذين تبنوا ذلك الموقف البطولي. ينتمي إلى إنسانيتنا كل الأطباء الذين تحملوا المشاق والمخاطر فغامروا بالدخول إلى غزة لإنقاذ من يمكن إنقاذه. تنتمي إلى إنسانيتنا العقائد والأديان والشرائع التي لا تحقّر الناس ولا تميز بينهم من إسلام لا يقبل التطرف والعنف ومسيحية غير متصهنينة ويهودية لا تبشّر بالأرض الموعودة وغيرها من ديانات الشرق السماوية والوضعية التي يجمعها التسامح ورفض قتل الإنسان. ينتمي إلى إنسانيتنا كل من احتج على العدوان على غزة بالتظاهر أو الدعم بالمال أو بالدم أو حتى بمجرد المعاناة. وينتمي إلى إنسانيتهم كل من ساهم في حصار غزة أو الاعتداء عليها وقتل أبنائها، من الحكّام والنخب والإعلاميين والعسكريين. من رميم غزة انبعثت إنسانيتنا، برميم غزة انكشفت إنسانيتهم فسقط وهم الإنسانية الواحدة.